قد يرى الإنسان في منامه كرسيًا بلون غريب لم يألفه، كأن يكون لونًا لا يشبه ألوان الأثاث المعتادة، فيعجب منه ويتساءل عن سبب ظهوره. وتغير الألوان في الأحلام أمر شائع، لأن الذهن يلون الصور بما يعلق به من مشاعر وخواطر. والرؤيا في أصلها صورة رمزية لا تُقرأ على ظاهرها ولا يُبنى عليها قرار. وفيما يلي عرض هادئ لما قد يدل عليه هذا المشهد، مع التذكير بأن التعبير اجتهاد ظني يختلف بين الناس. وليأخذ الرائي منه ما يوافق حاله.
الكرسي في الرموز يرتبط بالمكانة والجلوس والاستقرار والانتظار والدور الذي يؤديه الإنسان. وإذا ظهر بلون غريب فقد يعبر ذلك عن أن الأمر الذي يمثله الكرسي في حياة الرائي صار يبدو له مختلفًا أو غير مألوف. وقد يشير إلى مرحلة جديدة لم يعتد عليها، أو إلى شعور بالغرابة تجاه موضع يجلس فيه. وقد يكون اللون مجرد أثر لمشهد رآه في يومه، فلا يحمل أكثر من ذلك. ولذلك لا يُجزم بمعنى معين دون النظر إلى حال صاحب الحلم.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما تناقله أهل التعبير أن للألوان في المنام دلالات تختلف بحسب الأحوال، وأن اللون ينقل معنى الشيء إلى جهة أخرى بحسب ما يوحيه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الألوان تُفسر بما يغلب عليها من معنى عند الرائي وبيئته، وأن المتاع الغريب في اللون قد يشير إلى أمر غير معتاد في الحال. ومن أهل التعبير من أرجع الأمر إلى الحال النفسية دون ربط اللون بدلالة ثابتة. وهذه الأقوال متفاوتة ولا يصح أن يؤخذ أحدها على أنه الفصل. فالنظر في واقع الرائي أجدر بالاعتبار.
وللسياق أثر كبير، فإذا كان الرائي يمر بتجربة جديدة، كعمل أو سكن أو علاقة، فقد يعبر اللون الغريب عن إحساسه بغرابة المرحلة. وإذا كان قد رأى لونًا لافتًا في يومه، كقطعة أثاث أو جدار أو ثوب، فقد يعيد الذهن عرضه في المنام. وإذا كان يحب لونًا بعينه أو يكرهه فقد يلون به الكرسي دون سبب آخر. ومشاعره عند الرؤيا، هل هي إعجاب أم نفور أم فضول، من أهم القرائن. فالإعجاب يميل إلى الانفتاح على الجديد والنفور يميل إلى الحذر منه.
وتختلف الدلالة باختلاف الرائي، فالشاب قد يعبر الحلم عنده عن اختلاف طريقه عن طريق أقرانه. والمرأة قد تراه حين تغير شيئًا في ترتيب بيتها أو حياتها. والموظف قد يراه حين يتبدل مكان عمله أو أسلوبه. والطالب قد يراه حين ينتقل إلى مرحلة دراسية جديدة. وكبير السن قد يراه حين تتبدل عاداته في الجلوس والاستقبال. ولا يلزم من هذه الاحتمالات أن يقع شيء بعينه.
وللتفاصيل أثرها، فاللون الهادئ قد يميل إلى معنى السكينة والقبول، واللون الصارخ قد يميل إلى الانتباه والدهشة. واللون المتغير أمام الرائي قد يعبر عن تقلب في الشعور تجاه أمر ما. وإذا كان لونًا لا يعرف له اسمًا فقد يعبر عن أمر لم يتضح له بعد. وإذا جلس على الكرسي رغم غرابته فقد يعكس استعدادًا لتجربة الجديد. وكل هذه قراءات احتمالية لا يُلزم بها أحد.
من الناحية النفسية، يكثر في الأحلام أن تظهر أشياء مألوفة بألوان غير مألوفة، لأن الذهن لا يتقيد بالواقع ولا يحفظ الألوان بدقة. ويفيد أن يسأل الرائي نفسه ما الذي يبدو له غريبًا في حياته الآن، وكيف يتعامل معه. فإذا وجد أنه قلق من تغيير قريب فليتهيأ له بخطوات هادئة، وإذا لم يجد شيئًا فليتركه. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، وإذا صاحبه قلق شديد أو اضطراب في النوم فمن المناسب استشارة مختص أو أحد الأهل. والتحدث عما يقلق يخفف أثره.
ومن المفيد ألا يربط الرائي بين لون الكرسي وبين حدث محدد ربطًا قاطعًا، فكثير من الألوان تتغير دلالتها بين الناس والبيئات. ويحسن أن يعامل الحلم مثل لوحة فنية مبهمة، يتأمل فيها ولا يستخرج منها تفسيرًا قاطعًا. وإذا أعجبه اللون فليستحضره في ذكرى جميلة، وإذا أزعجه فليتجاوزه. ولا يعد ذلك سببًا لقلق أو فرح مبالغ فيه. فالأمر كله في دائرة الاحتمال.
وقد يجد بعض الناس في هذا النوع من الأحلام دعوة إلى قبول الاختلاف في الأشياء والأشخاص، فالجمال لا يقتصر على المألوف. وقبول الجديد بلطف يخفف كثيرًا من توتر التغيير. ويحسن أن يتعلم الإنسان التكيف مع ما يستجد في حياته دون أن يفقد ثوابته. وبهذا المعنى يصبح الحلم فرصة لتأمل هادئ. ومن أحسن النظر وجد في كل صورة ما يعلمه شيئًا.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، وليس خبرًا عن مستقبل ولا تقييمًا لأحد. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا يبني الرائي على منامه ما لا يثبت. وليحسن الظن بربه، وليدعه بالسكينة والتيسير في كل أمره. ومن أحسن الظن بالله وأخذ بالأسباب عاش أيامه بقلب مطمئن.
