إذا رأى المسافر كرسيًا في منامه فقد يكون الحلم متصلًا بما يعيشه من تنقل وانتظار في المحطات والمطارات، وبحنينه إلى مكان يستقر فيه ويستريح. والرؤيا في أصلها رموز تختلط فيها خواطر النهار بالمشاعر الكامنة، وليست إخبارًا مؤكدًا عن سفر أو عودة. ولذلك يحسن أن تُقرأ بهدوء وبميزان حال الرائي الفعلي. وما يلي اجتهادات في الفهم تحتمل الصواب والخطأ، ولا يُبنى عليها قرار في أمر السفر.
الكرسي رمز مألوف يجمع الجلوس والاستقرار والراحة والانتظار. وهو عند المسافر قريب من واقعه، فمقاعد الانتظار ومقعد السيارة أو القطار من أكثر ما يلازمه في رحلته. وقد يشير في المنام إلى موضع الإنسان بين أهله وفي عمله، وإلى دوره والمسؤولية التي يحملها. وتختلف دلالته باختلاف شكله ولونه وحالته ومن يجلس عليه. فلا يصح حصره في معنى واحد.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُذكر عنه أن الكرسي قد يدل على مقام صاحبه بين من حوله، وأن متانته قد تُفهم على أنها ثبات هذا المقام. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجلوس المطمئن على الكرسي قد يوحي باستقرار الحال، وأن كسره أو اضطرابه قد يوحي بقلق في بعض الأمور. وهذه الأقوال لا تثبت نسبتها على وجه القطع، وتتفاوت ألفاظها بين الكتب. كما أن المفسرين يختلفون في تقدير الرموز بحسب الزمان والبيئة. فتؤخذ على سبيل الاستئناس لا الاعتماد.
وللسياق أثر كبير، فالمسافر الذي أنهكه طول الطريق قد يرى الكرسي صورة لحاجته إلى استراحة. والذي ينتظر موعد رحلة أو وصول قريب قد يعبر الكرسي عنده عن الانتظار نفسه. والذي يعيش بعيدًا عن بيته قد يتحول الكرسي في حلمه إلى رمز للمكان المألوف الذي يشتاق إليه. ولشعوره داخل الحلم دلالة، فالجلوس المرتاح غير الجلوس المتململ. وكلما استحضر الرائي ما كان يفكر فيه قبل النوم كان فهمه أقرب.
ومن المعاني المحتملة أن يرتبط الكرسي عنده بالحاجة إلى مكان ثابت بعد التنقل. فإذا جلس عليه بسكينة فقد يُقرأ ذلك على أنه شعور بالأمان والرضا بما هو فيه. وإذا لم يجد مكانًا يجلس فيه أو كان الكرسي غير ثابت فقد يعكس ذلك قلقه من الغربة أو من ترتيبات الرحلة. وليس في الحلم دلالة على نجاح الرحلة أو تعثرها، فهو تعبير عن الشعور لا عن الوقائع. ويكفي أن يأخذ منه تذكيرًا بالتخطيط الهادئ.
وقد يحمل الكرسي معنى الانتظار الذي يعيشه المسافر، انتظار رحلة أو أوراق أو لقاء أو عودة. فإذا ظهر الكرسي مريحًا فقد يوحي ذلك بقدرته على الصبر والتدبير. وإذا ظهر ضيقًا أو في قاعة مزدحمة فقد يوحي بضجره من طول المدة أو ضغط الأجواء. ولا ينبغي أن يتحول ذلك إلى توقع أمر محدد أو تعطيل لخطة قائمة. فالتخطيط الجيد وأخذ الأسباب هما الأصل.
وإذا رأى أحد أهله أو أصحابه يجلس إلى جواره فقد يُقرأ ذلك على أنه شوق إلى الأنس والقرب. وإذا رأى كرسيًا فارغًا في بيته فقد يعكس اشتياقه إلى مجلسه وأهله. ومثل هذه الصور لا تدل على أمر غيبي، وإنما تعبر عن حنين مفهوم لدى كل من يبتعد عن أهله. وربما أفاده أن يتواصل معهم بصورة منتظمة ما أمكن. فالقرب المعنوي يخفف كثيرًا من ثقل الغربة.
وللتفاصيل الدقيقة أثرها، فالكرسي الواسع المريح قد يوحي بالراحة، والصلب الضيق قد يوحي بالإرهاق. والكرسي الثابت يوحي بالاستقرار، والمهتز قد يوحي بقلق عابر. وكونه في بيته المألوف قد يوحي بالحنين، وكونه في مكان غريب قد يوحي بالتهيب من الجديد. واللون والمكان يضيفان معنى بحسب ذاكرة الرائي. وكل هذا يُوزن ولا يُجزم به.
ومن الزاوية العملية والنفسية قد يكون الحلم دعوة إلى العناية بالراحة أثناء التنقل، وتنظيم النوم والطعام ومواعيد الراحة. وقد يفيد المسافر أن يتواصل مع أهله، وأن يرتب أوراقه وحاجاته مسبقًا، وأن يخفف عن نفسه ضغط الرحلة. وإذا لازمه قلق شديد أو رهبة مستمرة من السفر فالأولى أن يتحدث مع مختص أو مع أحد المقربين. والحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، ولا يغني عن رأي من يعرف حاله. والاستعداد المنظم يخفف كثيرًا من الصور المقلقة.
وفي الختام، كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح اعتباره دليلًا قاطعًا على أمر مقبل. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالسلامة والتيسير في تنقلاته، وأن يحسن الظن بربه مع أخذ الأسباب. فالحلم لا يوجب خوفًا ولا يعطي وعدًا، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. ثم يمضي في طريقه بقلب مطمئن وتوكل حسن.
