إذا رأى كبير السن ساعة في منامه فإن الرؤيا تُقرأ في ضوء ما يعيشه من هدوء وخبرة وذكريات وترتيب لأيامه. ويحسن التذكير بأن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فالساعة لا تدل على موعد محدد ولا على حدث بعينه سيقع. هي صورة يستعملها العقل ليعبّر عن الوقت وما يرتبط به من تأمل وانتظار وألفة. ويختلف المعنى من شخص إلى آخر بحسب حاله ومن حوله. والكلام التالي احتمالات تُعرض بحذر وتقدير، وليس فيها جزم بشيء.
يتصل رمز الساعة بالوقت والمواعيد والفرص والانضباط وتنظيم الحياة ومرور الأيام. وقد يدل على الاستعجال في أمر، وقد يدل على الحاجة إلى التأني وعدم تحميل النفس فوق طاقتها. وقد يكون دعوة هادئة لمراجعة الأولويات وإعطاء الأهم ما يستحقه من وقت. وليس في الرمز خير مضمون ولا شر محتوم، فاتجاهه يتحدد بتفاصيل المنام وحال صاحبه. ولذلك تُقرأ الساعة هنا بوصفها صورة لما يشغل الذهن من ترتيب وتأمل.
نُسب إلى ابن سيرين أن ما يُقدَّر ويُعدّ في المنام يدل على التدبير وحسن النظر في الأمور. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأدوات التي تضبط الأوقات قد تتصل بالمواعيد والعهود التي يرعاها الإنسان. وللمفسرين أقوال متباينة في ذلك، فمنهم من يجمل ومنهم من يفصل بحسب حال الرائي. والساعة بصورتها المألوفة اليوم من الرموز الأقل تناولًا في الكتب القديمة، فأغلب ما يُقال فيها اجتهاد معاصر. ولا ينبغي أن يُبنى على قول واحد منها اطمئنان أو قلق.
للسياق أثر كبير في هذه الرؤيا. فالساعة القديمة المألوفة في بيت العائلة قد توحي بالألفة والذكريات الطيبة، والساعة الجديدة قد توحي بتغير في الإيقاع اليومي. والساعة المنتظمة قد توحي بالانتظام، والبطيئة قد توحي بهدوء الأيام. وكذلك شعور الرائي في الحلم، من أنس أو انزعاج، فهو جزء أساسي من الفهم. ولا بد من ربط الرؤيا بحاله الفعلية.
ولكبير السن في هذه الرؤيا ما يخصه، فهو يملك من الخبرة ما يجعله ينظر إلى الوقت نظرة مختلفة عن الشباب. فقد تعبّر الساعة عن رغبته في يوم هادئ مرتب يتخلله وقت للأسرة والأحفاد والجلوس مع الأحباب. وقد تشير إلى حرصه على مواعيد الدواء والزيارات وسائر ما اعتاده، دون أن يُفهم من ذلك شيء عن حاله الصحية. وقد تدعوه الرؤيا إلى أن يستمتع بما بين يديه من وقت وأن ينقل خبرته لمن حوله. وليس في هذا وعد بشيء، وإنما تأمل في الحال.
وقد تأتي الساعة في الحلم على صور مختلفة. فإذا رآها معلقة في بيته تدق بهدوء، فقد يُفهم ذلك بأنه شعور بالألفة. وإذا رآها ساعة قديمة توقفت ثم عادت إلى العمل، فقد يعبّر ذلك عن استعادة نشاط أو عودة إلى عادة طيبة. وإذا رأى أحد أولاده أو أحفاده يضبط له الساعة، فقد يدل ذلك على عناية وسند من أسرته. وكل هذه احتمالات مفتوحة، ويبقى تقدير الحال لصاحبه.
وللتفاصيل الدقيقة قيمة في توجيه المعنى. فالساعة الخشبية العتيقة قد توحي بالأصالة، والجديدة اللامعة قد توحي بالتجديد. وحجم الساعة قد يوحي بحجم الأمر الذي يشغل البال، ولونها بنوع الشعور المصاحب. وصوت الدقات الهادئ قد يوحي بالسكينة، والمرتفع بالإلحاح. ويفيد أن يطلب من أحد أهله تدوين ما يتذكره إن شق عليه ذلك.
ومما يعين كبير السن على الاستفادة من الرؤيا أن يجعل لنفسه نظامًا يوميًا يريحه، فيخصص وقتًا للمشي الخفيف وللطعام ولزيارة من يحب. ويحسن أن يحتفظ بمواعيده المهمة في ورقة كبيرة الخط أو بتذكير لطيف يقرؤه أحد أبنائه. ولا بأس أن يطلب العون في الأمور التي تثقل عليه، فتقاسم الأعباء من حسن التدبير. كما يفيد أن يترك فسحة للراحة بعد كل جهد. وكل خطوة رفيقة بالنفس خير من الإرهاق.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد تعكس الرؤيا انشغال الذهن بالمواعيد وتتابع الأيام. والحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، فإن اشتد القلق أو ضاق الصدر واستمر فالأفضل أن يتكلم مع الطبيب أو مع أحد أهله الموثوقين. والأنس بالأهل وحسن الصحبة من أعظم ما يطمئن به القلب. وليكن الاعتماد على الاستشارة الصحيحة لا على تفسير منام.
وخلاصة القول إن ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا تُبنى عليه قرارات مهمة. والأولى أن يحسن الرائي الظن بربه ويدعو بأن يمنحه الله سكينة وراحة وبركة في وقته. فقد تكون الرؤيا خاطرًا من النفس أو أثرًا مما شغل الذهن في النهار. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ومهما اجتهد المفسرون فإن علمهم محدود. فليأخذ منها ما يعينه على ترتيب أيامه وليترك ما سوى ذلك.
