إذا رأى المسافر ساعة في منامه فإن الرؤيا كثيرًا ما تتصل بمواعيد الرحلة وما يرافقها من استعداد وتنقل وانتظار. ويحسن التذكير بأن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فالساعة لا تدل على موعد وصول أو مغادرة بعينه ولا على أحداث الطريق. هي صورة يعبّر بها العقل عن الوقت وما يرتبط به من ترتيب وتوقع. ويختلف المعنى من مسافر إلى آخر بحسب وجهته وغرضه. والمذكور هنا احتمالات تُعرض بحذر، وليس فيها جزم بشيء.
يتصل رمز الساعة بالوقت والمواعيد والفرص والانضباط وتنظيم الحياة ومرور الأيام. وقد يدل على الاستعجال في أمر، وقد يدل على الحاجة إلى التأني وعدم التسرع في اتخاذ الخطوات. وقد يكون دعوة هادئة لمراجعة الأولويات وترتيب الحاجات قبل الانطلاق. وليس في الرمز سلامة مضمونة ولا خطر محتوم، فاتجاه المعنى يتحدد بتفاصيل المنام وحال صاحبه. ولذلك تُقرأ الساعة هنا بوصفها صورة لما يشغل الذهن من تدبير.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأدوات التي يُعرف بها التقدير والحساب تدل في الجملة على التدبير وحسن النظر في الأمور. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يضبط الأوقات قد يتصل بالمواعيد والعهود التي يرتبط بها الإنسان. وللمفسرين آراء متباينة في التفصيل، فمنهم من يجمل ومنهم من يفصل بحسب حال الرائي. والساعة بصورتها المألوفة اليوم من الرموز الأقل تناولًا في الكتب القديمة، فمعظم ما يُقال فيها اجتهاد معاصر. ولا ينبغي أن يُبنى على قول منها قرار يتعلق بالسفر.
للسياق أثر كبير في هذه الرؤيا. فالساعة في المطار أو المحطة قد توحي بالانتظار والمواعيد، وفي الطريق قد توحي بالمسافة وتتابع الأيام، وفي مكان الإقامة قد توحي بالاستقرار المؤقت. والساعة المنتظمة قد توحي بانسياب الأمور، والمتأخرة قد توحي بتأخر أو ارتباك في الترتيب. وكذلك شعور المسافر في الحلم، فالراحة والتوتر يغيران الفهم. ولا بد من ربط الرؤيا بحاله الفعلية.
وللمسافر في هذه الرؤيا ما يخصه، فوقته مرتبط بمواعيد لا يملك تغييرها، وبفروق في التوقيت وتغير في العادات. فقد تعبّر الساعة عن رغبته في ضبط أموره قبل الرحلة حتى لا يضيع وقته في الانتظار. وقد تشير إلى حنين إلى الأهل وإحساس بأن الأيام بعيدة عنهم تمضي ببطء. وقد تدعوه الرؤيا إلى ترك فسحة كافية بين المواعيد وعدم الاستعجال بين المحطات. وليس في هذا وعد بسهولة الطريق، وإنما تذكير بقيمة التخطيط.
وقد تأتي الساعة في الحلم على صور مختلفة. فإذا رآها مضبوطة على معصمه وهو في الطريق، فقد يُفهم ذلك بأنه شعور بالاطمئنان إلى ترتيباته. وإذا رأى نفسه يركض ليلحق بوسيلة نقل، فقد يعبّر ذلك عن قلق من الفوات وهو شعور مألوف لدى المسافرين. وإذا رأى رفيقًا يذكره بالموعد، فقد يدل ذلك على تعاون في الرحلة. وكل ذلك احتمالات مفتوحة تتوقف على حال الرائي.
وللتفاصيل الدقيقة قيمة. فالساعة الجدارية الكبيرة في مكان عام قد توحي بوقت يخص الجميع، واليدوية بوقت شخصي. واللون الهادئ قد يوحي بالسكينة، والصارخ بالاستعجال. وصوت الدقات المنتظم قد يوحي بالاستقرار، والمتسارع بالضغط. ويفيد أن يدوّن الرائي ما يتذكره بعد استيقاظه ثم يتأمله بهدوء.
ومما قد يعين المسافر على الاستفادة من الرؤيا أن يعد قائمة بما يحتاج إليه قبل السفر، وأن يحجز لنفسه وقتًا كافيًا قبل كل موعد. ويستحسن أن يحفظ معلومات الرحلة في مكان واضح، وأن يترك لنفسه فسحة لاستراحة قصيرة بين التنقلات. كما يفيد أن يعتاد التوقيت الجديد بالتدريج دون إرهاق. وبهذا يقل الشعور بالملاحقة. وليس المقصود المبالغة في الاحتياط بل حسن الترتيب.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد تعكس الرؤيا ضغط المواعيد في السفر. ويفيد أن ينظم المسافر وقته بجدول بسيط وأن يحرص على نومه وطعامه. والحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، فإن اشتد القلق من الوقت أو الفوات واستمر فالأفضل أن يتكلم مع مختص أو مع أحد أهله الموثوقين.
وخلاصة القول إن ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا تُبنى عليه قرارات تتعلق بالسفر. والأولى أن يحسن الرائي الظن بربه ويدعو بأن ييسر الله له أمره ويحفظه في طريقه. فقد تكون الرؤيا خاطرًا من النفس أو أثرًا مما شغل الذهن في النهار. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ومهما اجتهد المفسرون فإن علمهم محدود. فليأخذ منها ما يعينه على ترتيب رحلته وليترك ما سوى ذلك.
