رؤية الإنسان في منامه أنه يكوي ملابسه ويسوي ما فيها من تجاعيد من الرؤى القريبة من الحياة اليومية. وهي رؤيا رمزية تتصل في الغالب بالترتيب والاستعداد والعناية بالتفاصيل، وليست خبرًا قاطعًا عن المستقبل. والمقال يعرض ما ذكره أهل التعبير على سبيل الاجتهاد، مع بيان أن الدلالة تتغير بتغير حال الرائي وظروفه. فيُنظر إليها بهدوء، ويُؤخذ منها ما يعين على التأمل وحسن التدبير.
الملابس في عالم الرؤى ترمز إلى الهيئة والحال والمكانة والاستعداد وصورة الإنسان أمام الناس. وكيها يُفهم عند بعضهم على أنه تسوية للأمور وإزالة لما فيها من اعوجاج واضطراب، وإعداد للثوب ليظهر بصورة منتظمة. وقد يدل على عناية الرائي بشأنه وحرصه على أن يكون مستعدًا لمناسبة أو لقاء. كما قد يعبر عن صبر على إصلاح تفاصيل صغيرة. غير أن هذه المعاني عامة لا يصح تعميمها على كل رائٍ في كل حال.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن إصلاح الثوب وتهيئته يدلان على إصلاح الحال وتحسينها بمقدار ما يظهر من نظافة الثوب واستوائه. ولا يخلو هذا القول من اختلاف في الرواية والنسبة بين الكتب المتداولة. وبعض هذه الأقوال من اجتهاد المتأخرين الذين قاسوا على أصل الباب. ولذلك يُؤخذ بها على سبيل الاستئناس لا اليقين، ويُنظر معها إلى مشاعر الرائي وتفاصيل رؤياه.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن تسوية الثوب وتصفيته قد تشير إلى تحسين الأحوال وترتيب الشؤون. ورأى بعض المعبرين أن زوال التجاعيد كلها أدل على تمام الإصلاح، وأن بقاء بعضها يشير إلى أمر يحتاج إلى مزيد من العناية. وخالفهم آخرون فرأوا أن العبرة بشعور الرائي لا بحال الثوب. وهذا الاختلاف طبيعي في باب التأويل، ويؤكد أن الجزم فيه لا يليق.
أثر السياق كبير في هذه الرؤيا. فإن كوى الرائي ثيابه في بيته بهدوء وهو مستعد لمناسبة، فهذا يميل إلى معنى الاستعداد وحسن الترتيب. وإن كواها في عجلة وهو يخشى أن يتأخر، فقد يعكس ضغط الوقت وانشغالًا بما يتطلبه الموعد. وإن كان الكي في مكان عمل أو أمام الآخرين فربما دل على اهتمامه بصورته المهنية. وللمكان وللحاضرين معه أثر في ترجيح المعنى القريب.
للرائي أثر في التأويل. فالموظف قد تعبر الرؤيا عنده عن اهتمامه بهيئته قبل عمل أو لقاء مهم. والطالب قد تكون الصورة انعكاسًا لاستعداده ليوم دراسي أو اختبار. وربة البيت قد ترى ذلك لأن ترتيب ثياب أهلها جزء من يومها المعتاد. وأما من يتهيأ لمناسبة عائلية فقد يكون الحلم صدى لانشغاله بتفاصيلها. وكل ذلك احتمالات لا تُقطع، والأقرب أن ينظر كل رائٍ إلى ما يخصه من حاله.
وفي التفاصيل ما يلتفت إليه أهل التعبير. فالكي المتقن الذي يخرج منه الثوب مستويًا ناعمًا يُحمل على معنى حسن التدبير. وإن كانت الكاوية ساخنة أكثر من اللازم فقد يعبر ذلك عن تسرع أو حماس زائد في إصلاح أمر ما. وإن كان الثوب مما يصعب كيه فقد يشير إلى موضوع يحتاج إلى صبر وتدرج. ولا يُجعل شيء من هذه التفاصيل دليلًا مستقلًا، فهي قرائن تُجمع ويُنظر إليها مع غيرها.
ومن التفاصيل نوع الثوب المكوي. فالثياب الرسمية قد تدل على اهتمام بالعمل والمظهر المهني، وثياب الأطفال على العناية بشأن الأسرة، والثياب الخفيفة على البساطة. وإن كان الرائي يكوي ثوبًا غير ثيابه فقد يعبر عن اهتمامه بأمر يخص غيره أو مساعدته له. وإن انتهى من الكي ثم علّق الثياب في مكانها فهو أقرب إلى إتمام الأمر. وهذه صور قريبة من الخبرة اليومية، فكثيرًا ما تكون الرؤيا امتدادًا لها.
ومن الزاوية النفسية العملية، قد تظهر هذه الرؤيا في أيام الاستعداد والتنظيم، أو حين يشعر الإنسان بأن أمره غير مستوٍ ويحتاج إلى ترتيب. وقد تكون دعوة هادئة إلى تقسيم المهام الكبيرة إلى خطوات صغيرة، كما تُسوى التجاعيد قطعة قطعة. ويمكن للرائي أن يكتب ما يشغله ويرتب أولوياته دون إفراط في الكمال. وهذه قراءة تأملية لا تغني عن مشورة مختص عند الحاجة، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية.
هذا الكلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس خبرًا يقينيًا عن المستقبل. وخير ما يفعله الرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعوه بتيسير الأمور وصلاح الحال، وأن يمضي في شأنه بالعمل والتوكل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ومهما تعددت الأقوال فإنها لا تغير ما قدّره الله. فليطمئن الرائي وليسأل ربه التوفيق والسداد في أموره كلها.
