قد يرى الإنسان في منامه ملابس كثيرة من حوله، في غرفة أو سوق أو بيت، بألوان وأنواع متعددة يكاد لا يحصيها. وهي رؤيا رمزية تتصل في الغالب بتنوع الأدوار والخيارات وانشغال الذهن بما تراكم، وليست خبرًا قاطعًا عن المستقبل. والمقال يعرض ما ذكره أهل التعبير على سبيل الاجتهاد، مع بيان أن الدلالة تختلف باختلاف الرائي وظروفه. فيُنظر إليها بهدوء ودون تهويل أو جزم، ولا يُبنى عليها وعد بمكسب أو سعة.
الملابس في عالم الرؤى ترمز إلى الهيئة والحال والمكانة والاستعداد وصورة الإنسان أمام الناس. وكثرتها تضيف إلى ذلك معنى التعدد والتنوع، فيُفهم عند بعضهم على أنها سعة في الخيارات والأدوار. وقد تعبر عن كثرة ما يشغل الإنسان من أمور. وقد تدل كذلك على رغبة في أن يكون مستعدًا لمواقف مختلفة. غير أن هذه المعاني عامة، ولا يصح تعميمها على كل رائٍ.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن كثرة الثياب قد تدل على سعة في الحال إذا كانت نظيفة جيدة، وعلى كثرة هموم إذا كانت متسخة أو ممزقة. ولا يخلو هذا القول من اختلاف في الرواية والنسبة بين الكتب المتداولة. وبعض ما يُذكر في الباب من اجتهاد المتأخرين الذين قاسوا على أصله. ولذلك يُؤخذ به على سبيل الاستئناس لا اليقين، ولا يُبنى عليه جزم.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن تعدد الثياب قد يشير إلى تعدد الأحوال أو الأعمال أو الأدوار. ورأى بعض المعبرين أن حسن الثياب المتعددة أدل على تنوع ينفع الرائي، وخالفهم آخرون فنظروا إلى ما يشعر به الرائي من تزاحم أو ارتباك. وهذا الاختلاف يؤكد أن التأويل مجال اجتهاد واسع، وأن العبرة بالسياق وشعور الرائي. وتبقى هذه الآراء اجتهادات تتفاوت بين المعبرين وتتأثر بزمانهم وبيئتهم.
أثر السياق كبير في هذه الرؤيا. فإن رأى الرائي ثيابًا كثيرة وهو مسرور يتأملها، فهذا يميل إلى معنى التنوع والاستعداد. وإن رآها وهو محتار لا يدري ماذا يختار، فقد يعكس ترددًا بين خيارات متعددة. وإن كانت في سوق فربما ارتبط الأمر بالطلب والاختيار، وإن كانت في بيته فبما اجتمع عنده من أمور. وللمكان وللحاضرين أثر في ترجيح المعنى القريب.
للرائي أثر في التأويل. فالطالب قد تعبر الرؤيا عنده عن كثرة المواد والخيارات الدراسية. والموظف قد يرى ذلك حين تتعدد عليه المهام والأدوار. وربة البيت قد تكون الصورة عندها امتدادًا لكثرة ما تعتني به من حاجات أهلها. وأما التاجر أو صاحب العمل فقد ترمز عنده إلى تنوع نشاطه واهتماماته. وكل ذلك احتمالات لا تُقطع، فلكل رائٍ ظرفه وحاله.
وفي التفاصيل ما يلتفت إليه أهل التعبير. فتنوع الألوان قد يُحمل على تنوع المشاعر والاهتمامات، وتشابهها على ثبات وانتظام. وكثرة الثياب الجديدة قد تدل على استعدادات كثيرة، وكثرة القديمة على أمور مضت وبقي أثرها. وإن كانت مرتبة فقد يدل ذلك على حسن التدبير. ولا ينبغي أن تُجعل هذه التفاصيل قواعد جامدة. وكثيرًا ما يكون الحلم صدى لرؤية كثرة من الثياب في محل أو لتفكير في تجهيز مناسبة، ولا يلزم أن يكون وراءه سبب أبعد من مجرد تداخل الصور في النوم.
ومن التفاصيل مشاعر الرائي في نهاية الرؤيا. فإن اختار منها ما يناسبه بيسر فهذا أقرب إلى معنى حسن الاختيار، وإن شعر بالعجز عن الاختيار فقد يعبر عن حيرة بين طرق متعددة. وإن شارك بعضها مع غيره فقد يدل على رغبة في العطاء. وإن أحس بثقل من كثرتها فقد يرتبط الأمر بحاجته إلى تخفيف ما عنده. وهذه صور قريبة من الخبرة اليومية، وكثيرًا ما تكون الرؤيا امتدادًا لما يعيشه الإنسان.
ومن الزاوية النفسية العملية، قد تظهر هذه الرؤيا حين تتعدد على الإنسان الخيارات أو الأدوار فيصعب عليه الترجيح بينها. وقد تكون الصورة دعوة هادئة إلى تحديد ما يهم فعلًا والتركيز عليه دون تشتيت. ويمكن للرائي أن يضع معايير بسيطة لاختياراته ويستشير أهل الخبرة. وهذه قراءة تأملية لا تغني عن مشورة مختص إن اشتد التردد، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية.
هذا الكلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس خبرًا يقينيًا عن المستقبل. وخير ما يفعله الرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعوه بالتوفيق في اختياراته وصلاح الحال، وأن يمضي في يومه بالعمل والتوكل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ومهما كثرت الأقوال فإنها لا تغير ما قدّره الله. فليطمئن الرائي وليسأل ربه التوفيق والسداد.
