قد يرى الإنسان في منامه ثيابًا ذات جيوب كثيرة، في الصدر والجانبين والأكمام، ويجد في كل جيب شيئًا مما يحتاج إليه. وهي رؤيا رمزية تتصل في الغالب بالاستعداد والحرص على التهيؤ لما قد يُحتاج إليه، وليست خبرًا قاطعًا عن المستقبل. والمقال يعرض ما ذكره أهل التعبير على سبيل الاجتهاد، مع بيان أن الدلالة تختلف باختلاف الرائي وظروفه. فيُنظر إليها بهدوء ودون تهويل أو جزم، ولا يُبنى عليها وعد بمكسب أو سعة.
الملابس في عالم الرؤى ترمز إلى الهيئة والحال والمكانة والاستعداد وصورة الإنسان أمام الناس. والجيب موضع يخبئ فيه المرء ما يحتاج إليه قريبًا، فكثرة الجيوب تضيف معنى الاستعداد والاحتياط. فيُفهم عند بعضهم على أنها رغبة في أن يكون الإنسان مجهزًا لكل طارئ. وقد تعبر عن حرص على الادخار أو عن أمور مخبأة في الذهن يريد استحضارها. غير أن هذه المعاني عامة، ولا يصح تعميمها على كل رائٍ.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الجيب في الثوب قد يدل على موضع ما يحرزه الرجل ويحفظه من شأنه بحسب حال الثوب. ولا يخلو هذا القول من اختلاف في الرواية والنسبة بين الكتب المتداولة. وبعض ما يُذكر في الباب من اجتهاد المتأخرين الذين قاسوا على أصله. ولذلك يُؤخذ به على سبيل الاستئناس لا اليقين، ويُنظر إلى ما يجده الرائي في الجيوب وشعوره حياله.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الجيوب قد تشير إلى ما يخبئه الإنسان من أمره أو يدخره، وإلى الاحتياط والتدبير. ورأى بعض المعبرين أن امتلاء الجيوب بما ينفع أدل على حسن الاستعداد، وأن خلوها قد يدل على نقص في الأسباب. وخالفهم آخرون فنظروا إلى ثقل ما يحمله الرائي، فقد يكون عبئًا لا مزية. وهذا الاختلاف يؤكد أن التأويل مجال اجتهاد واسع.
أثر السياق كبير في هذه الرؤيا. فإن رأى الرائي ثيابه ذات جيوب كثيرة وهو مرتاح يجد فيها ما يحتاج، فهذا يميل إلى معنى الاستعداد والاطمئنان. وإن رآها وهو منزعج من كثرة ما يحمله أو لا يتذكر أين وضع الأشياء، فقد يعكس انشغالًا بتفاصيل كثيرة ومسؤوليات متراكمة. وإن كان في تنقل أو طريق فربما ارتبط الأمر بتجهيزه. وللمكان وللحاضرين أثر في ترجيح المعنى القريب.
للرائي أثر في التأويل. فالطالب قد تعبر الرؤيا عنده عن رغبته في أن يكون مستعدًا بأدواته ومعارفه. والموظف قد يرى ذلك حين يحمل مهام متعددة يحتاج إلى استحضارها كلها. وربة البيت قد تكون الصورة عندها امتدادًا لعادة حمل ما يحتاجه أهلها في كل وقت. وأما كبير السن فقد ترمز عنده إلى حرصه على ما يلزمه. وكل ذلك احتمالات لا تُقطع، فلكل رائٍ ظرفه وحاله.
وفي التفاصيل ما يلتفت إليه أهل التعبير. فالجيوب الظاهرة المرتبة قد تُحمل على استعداد معلن، والخفية على أمور يحتفظ بها الرائي لنفسه. وما يجده الرائي في الجيوب من أدوات أو أوراق قد يدل على ما يشغل باله. وإن وجدها فارغة فقد يعبر ذلك عن شعور بنقص الأسباب. ولا ينبغي أن تُجعل هذه التفاصيل قواعد جامدة. وكثيرًا ما يكون الحلم صدى لثوب ذي جيوب لبسه الرائي في يقظته أو لحاجة إلى حمل أشياء كثيرة.
ومن التفاصيل مشاعر الرائي حين يبحث في الجيوب. فإن وجد ما يطلب بيسر فهذا أقرب إلى معنى حسن التدبير، وإن لم يجد فقد يعبر عن قلق من أمر ناقص. وإن أفرغ جيوبه ليخفف فقد يدل على رغبته في التخفف من أعباء. وإن ملأها بمزيد فقد يرتبط الأمر بحرصه على الاحتياط الزائد. وهذه صور قريبة من الخبرة اليومية، وكثيرًا ما تكون الرؤيا امتدادًا لما يعيشه الإنسان في يقظته.
ومن الزاوية النفسية العملية، قد تظهر هذه الرؤيا حين يميل الإنسان إلى الاحتياط الشديد ويخشى أن يفوته شيء. وقد تكون الصورة دعوة هادئة إلى الموازنة بين الاستعداد المعقول والإفراط الذي يثقل صاحبه. ويمكن للرائي أن يحدد ما يحتاجه فعلًا ويترك الباقي. وهذه قراءة تأملية لا تغني عن مشورة مختص إن اشتد القلق، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية.
هذا الكلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس خبرًا يقينيًا عن المستقبل. وخير ما يفعله الرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعوه بالتيسير وصلاح الحال وحسن الاستعداد، وأن يمضي في يومه بالعمل والتوكل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ومهما كثرت الأقوال فإنها لا تغير ما قدّره الله. فليطمئن الرائي وليسأل ربه التوفيق والسداد.
