قد يرى الإنسان في منامه أن أحدًا يهديه ملابس، فيفتح الهدية بفرح ويقيس ما فيها ويشكر صاحبها. وهي رؤيا رمزية تتصل في الغالب بالشعور بالتقدير والقبول وحاجة الإنسان إلى أن يُحَب ويُعتنى به، وليست خبرًا قاطعًا عن المستقبل. والمقال يعرض ما ذكره أهل التعبير على سبيل الاجتهاد، مع بيان أن الدلالة تختلف باختلاف الرائي وظروفه. ويحسن أن يتذكر الرائي ما كان يشغله قبل النوم، فكثيرًا ما تُنسج الأحلام من بقايا اليوم.
الملابس في عالم الرؤى ترمز إلى الهيئة والحال والمكانة والاستعداد وصورة الإنسان أمام الناس. وتلقيها هدية يضيف إليها معنى أن الآخرين يهتمون بصورة الرائي وحاله، ويريدون له الخير. فيُفهم عند بعضهم على أنه شعور بالقبول والتقدير، أو رغبة في أن يلتفت إليه من حوله. وقد يعبر عن امتنان الرائي لمن أحسن إليه في يقظته. غير أن هذه المعاني عامة، ولا يصح تعميمها على كل رائٍ.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن ما يُعطاه الإنسان من ثياب في الرؤيا قد يدل على صلة وعناية بحسب جودتها وهيئتها. ولا يخلو هذا القول من اختلاف في الرواية والنسبة بين الكتب المتداولة. وبعض ما يُذكر في الباب من اجتهاد المتأخرين الذين قاسوا على أصله. ولذلك يُؤخذ به على سبيل الاستئناس لا اليقين، ويُنظر إلى مشاعر الرائي وإلى هوية المهدي.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن قبول الثياب هدية قد يشير إلى مودة واهتمام من المهدي، وإلى أحوال تتحسن بمعونة أو صلة. ورأى بعض المعبرين أن الثوب الجميل المناسب أدل على الخير من الثوب الرديء أو الضيق، وخالفهم آخرون فنظروا إلى شعور الرائي وهو يتلقى الهدية. وهذا الاختلاف يؤكد أن التأويل مجال اجتهاد واسع، وأن الجزم فيه لا يليق. وتبقى هذه الآراء اجتهادات تتفاوت بين المعبرين وتتأثر بزمانهم وبيئتهم.
أثر السياق كبير في هذه الرؤيا. فإن تلقى الرائي الهدية مسرورًا مطمئنًا، فهذا يميل إلى معنى الشعور بالتقدير وطيب العلاقة. وإن تلقاها وهو محرج أو متردد في قبولها، فقد يعكس صعوبة عنده في تقبل عطاء الآخرين أو خشية من أن يُطلب منه رد الجميل. وإن كان المهدي معروفًا له فربما ارتبط المعنى بعلاقته به، وإن كان مجهولًا فقد يعبر عن أمل في خير غير متوقع. وللمكان أثر كذلك.
للرائي أثر في التأويل. فالطالب قد تعبر الرؤيا عنده عن حاجته إلى التشجيع والدعم من أهله ومعلميه. والموظف قد يرى ذلك حين يتمنى أن يُقدَّر جهده في عمله. وربة البيت قد تكون الصورة عندها امتدادًا لرغبتها في أن يلتفت أهلها إلى ما تبذله. وأما كبير السن فقد ترمز عنده إلى حاجته إلى الأنس والصلة. وكل ذلك احتمالات لا تُقطع، فلكل رائٍ ظرفه وحاله.
وفي التفاصيل ما يلتفت إليه أهل التعبير. فالثوب المهدى إذا كان على مقاس الرائي ولونه يُحمل على معنى التوافق مع الحال، وإذا كان واسعًا أو ضيقًا قد يُحمل على أمر يحتاج إلى تكييف. وتغليف الهدية قد يدل على اهتمام المهدي بالمظهر والعناية. وكثرة الثياب المهداة قد تدل على كثرة العناية، وقلتها على بساطتها. ولا ينبغي أن تُجعل هذه التفاصيل قواعد جامدة، فهي تتبدل بتبدل الأحوال والأعراف.
ومن التفاصيل مشاعر الرائي بعد تلقي الهدية. فإن لبسها على الفور مسرورًا، فهذا أقرب إلى الرضا والانشراح. وإن وضعها جانبًا ولم يلبسها فقد يعبر عن تأنٍّ أو ترقب لمناسبة مناسبة. وإن كان في الهدية بطاقة أو كلمة طيبة فقد يدل ذلك على أن الكلمة الطيبة مما يحتاجه الرائي في هذه الفترة. وهذه صور قريبة من الخبرة اليومية، فكثيرًا ما تكون الرؤيا امتدادًا لما يعيشه الإنسان في يقظته.
ومن الزاوية النفسية العملية، قد تظهر هذه الرؤيا حين يشعر الإنسان بحاجة إلى الاهتمام والتقدير، أو حين يمر بمرحلة جهد تُقابل بالصمت. وقد تكون الصورة دعوة هادئة إلى الانتباه لما يقدمه الآخرون من لطف قد لا يُلتفت إليه. ويمكن للرائي أن يشكر من أحسن إليه، وأن يعبر عن حاجته إلى الدعم بوضوح ولطف. وهذه قراءة تأملية لا تغني عن مشورة مختص عند الحاجة، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية.
هذا الكلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس خبرًا يقينيًا عن المستقبل. وخير ما يفعله الرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعوه بصلاح الحال وتيسير الأمور، وأن يمضي في يومه بالعمل والتوكل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ومهما كثرت الأقوال فإنها لا تغير ما قدّره الله. فليطمئن الرائي وليسأل ربه التوفيق والسداد في علاقاته كلها.
