قد يرى الإنسان في منامه أنه يبحث عن ملابس يريد أن يلبسها، فيقلّب الأدراج والحقائب ويسأل أهله عنها، والوقت يمضي وهو لا يهتدي إليها. وهي رؤيا رمزية تتصل في الغالب بطلب ما يناسب الحال والقلق من الاستعداد، وليست خبرًا قاطعًا عن المستقبل. والمقال يعرض ما ذكره أهل التعبير على سبيل الاجتهاد، مع بيان أن الدلالة تختلف باختلاف الرائي وظروفه. فيُنظر إليها بهدوء ودون تهويل أو جزم.
الملابس في عالم الرؤى ترمز إلى الهيئة والحال والمكانة والاستعداد وصورة الإنسان أمام الناس. والبحث عنها يضيف إليها معنى الطلب والسعي، فالمرء يريد ما يناسبه ولم يجده بعد. فيُفهم عند بعضهم على أنه بحث عن حال أنسب أو دور أوضح أو صورة يطمئن إليها. وقد يعبر عن قلق من أن يتأخر الإنسان عن موعد أو أن يظهر بغير ما يريد. غير أن هذه المعاني عامة، ولا يصح تعميمها على كل رائٍ.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن طلب الشيء في الرؤيا قد يدل على سعي المرء إلى ما يريده بحسب ما ينتهي إليه الطلب من وجدان أو فوات. ولا يخلو هذا القول من اختلاف في الرواية والنسبة بين الكتب المتداولة. وبعض ما يُذكر في الباب من اجتهاد المتأخرين الذين قاسوا على أصله. ولذلك يُؤخذ به على سبيل الاستئناس لا اليقين، ويُنظر إلى مشاعر الرائي وما انتهى إليه البحث.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن البحث عن الثياب قد يشير إلى سعي إلى تحسين الحال أو إلى استعداد لأمر لم تكتمل أسبابه. ورأى بعض المعبرين أن وجدان المطلوب في آخر الرؤيا أدل على تيسر المقصود، وأن بقاء البحث بلا نتيجة قد يشير إلى أمر ما زال معلقًا. وخالفهم آخرون فنظروا إلى هدوء الرائي أو اضطرابه. وهذا الاختلاف يؤكد أن التأويل مجال اجتهاد واسع.
أثر السياق كبير في هذه الرؤيا. فإن بحث الرائي عن ثيابه بهدوء وصبر، فهذا يميل إلى معنى التأني والرغبة في اختيار الأنسب. وإن بحث بعجلة واضطراب وهو يخشى الفوات، فقد يعكس ضغط الوقت وانشغالًا بمناسبة أو موعد. وإن كان البحث في مكان غريب عنه فربما ارتبط الأمر بتجربة جديدة. وللمكان وللحاضرين أثر في ترجيح المعنى القريب.
للرائي أثر في التأويل. فالطالب قد تعبر الرؤيا عنده عن قلق من الامتحان أو موعد التسليم. والموظف قد يرى ذلك حين يستعد لمقابلة أو اجتماع مهم. وربة البيت قد تكون الصورة عندها امتدادًا لانشغالها بتجهيز أهلها لمناسبة. وأما من يبحث عن عمل أو طريق جديد فقد يكون الحلم صدى لبحثه الحقيقي في يقظته. وكل ذلك احتمالات لا تُقطع، فلكل رائٍ ظرفه وحاله.
وفي التفاصيل ما يلتفت إليه أهل التعبير. فالبحث في الأدراج والخزائن قد يدل على مراجعة ما عند الرائي من خيارات، والبحث في الأسواق على طلب أمر جديد. وطلب العون من الأهل أو الأصدقاء قد يدل على حاجته إلى مشورتهم. وإن وجد بعض ما يطلب فقد يعبر ذلك عن تحقق جزء من المقصود. ولا ينبغي أن تُجعل هذه التفاصيل قواعد جامدة. وكثيرًا ما يكون الحلم صدى لموقف حقيقي حار فيه الرائي بين ما يلبس وما يفعل.
ومن التفاصيل مشاعر الرائي في نهاية البحث. فإن وجد ما يطلب وارتاح، فهذا أقرب إلى معنى زوال القلق وحسن الاستعداد. وإن استيقظ قبل أن يجده فقد يعبر عن انشغال ما زال قائمًا. وإن وجد بديلًا مناسبًا فقد يدل ذلك على قدرة على التكيف مع ما يتيسر. وإن بحث عن ثوب معين دون غيره فقد يرتبط بتعلقه بأمر يخص ذلك الثوب عنده. وهذه صور قريبة من الخبرة اليومية.
ومن الزاوية النفسية العملية، قد تظهر هذه الرؤيا حين يضغط على الإنسان موعد قريب أو حين يتوتر لمقابلة أو مناسبة. وقد تكون الصورة دعوة هادئة إلى التجهيز المبكر وتخفيف الارتباك قبل الأحداث الهامة. ويمكن للرائي أن يحضّر ما يحتاج إليه من وقت مبكر، وأن يتعلم الاكتفاء بالممكن لا بالمثالي. وهذه قراءة تأملية لا تغني عن مشورة مختص إن استمر القلق، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية.
هذا الكلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس خبرًا يقينيًا عن المستقبل. وخير ما يفعله الرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعوه بالتيسير وصلاح الحال، وأن يمضي في يومه بالعمل والتوكل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ومهما كثرت الأقوال فإنها لا تغير ما قدّره الله. فليطمئن الرائي وليسأل ربه التوفيق والسداد.
