يرى بعض الناس في منامهم أنهم يخيطون ثوبًا بإبرة وخيط، أو يجلسون إلى آلة خياطة يجمعون بها قطع القماش. وهي رؤيا رمزية تتصل في الغالب بالجمع والبناء والصبر على التفاصيل، وليست خبرًا قاطعًا عن المستقبل. والمقال يعرض ما ذكره أهل التعبير على سبيل الاجتهاد، مع بيان أن الدلالة تختلف باختلاف الرائي وأحواله. فيُنظر إليها نظرة هادئة بعيدة عن التهويل. ويحسن أن يتذكر الرائي ما كان يشغله قبل النوم، فكثيرًا ما تُنسج الأحلام من بقايا اليوم. وقد تكون الخياطة في الحلم صدى لعمل يدوي رآه أو فكر فيه.
الملابس في عالم الرؤى ترمز إلى الهيئة والحال والمكانة والاستعداد وصورة الإنسان أمام الناس. والخياطة تعني ضم القطع بعضها إلى بعض وصنع شيء متماسك منها، فتُفهم عند بعضهم على أنها بناء للأمور وتدبير لها خطوة خطوة. وقد تدل على صبر وإتقان وعناية بالتفاصيل الصغيرة. كما قد تعبر عن رغبة في صنع حال جديدة بجهد شخصي. غير أن هذه المعاني عامة، ولا يصح تعميمها على كل رائٍ.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الخياطة قد تدل على جمع الأمور وإصلاحها، وعلى صنعة صاحبها وحسن تدبيره بمقدار إتقان العمل في الرؤيا. ولا يخلو هذا القول من اختلاف في الرواية والنسبة بين كتب التعبير. وبعض ما يُذكر في الباب هو من اجتهاد المتأخرين. ولذلك يُؤخذ به على سبيل الاستئناس لا اليقين، ويُنظر معه إلى قرائن الرؤيا وشعور الرائي.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخياطة تدل على الجمع بين أمرين أو أكثر، وعلى التدبير والسعي في صنعة. ورأى بعض المعبرين أن الإبرة والخيط يشيران إلى وسيلة دقيقة يحتاج إليها الرائي في أمره، وأن الخيط المتين أدل على الثبات. وخالفهم آخرون فنظروا إلى ما تنتهي إليه الخياطة من ثوب مكتمل. وهذا الاختلاف يؤكد أن التأويل مجال اجتهاد واسع.
أثر السياق ظاهر في هذه الرؤيا. فإن خاط الرائي ثوبًا بهدوء وإتقان وهو راضٍ، فهذا يميل إلى معنى الصبر والبناء المنظم. وإن خاط وهو متعب أو متعجل أو تتقطع خيوطه، فقد يعكس انشغالًا بأمر يحتاج إلى مزيد من الجهد والوقت. وإن كان يخيط لغيره فربما دل على اهتمامه بحاجات من حوله. وإن كان في محل خياطة أو ورشة فقد يرتبط المعنى بالعمل والمهنة.
للرائي أثر في التأويل. فالموظف أو الحرفي قد تعبر الرؤيا عنده عن اهتمامه بتجميع خطواته المهنية في صورة متماسكة. والطالب قد يرى ذلك وهو يجمع دروسه وأفكاره في مشروع. وربة البيت قد تكون الصورة عندها امتدادًا لعمل يدوي تحبه أو لرغبتها في صنع شيء لأهلها. وأما من يمارس الخياطة فعلًا فالأقرب أن الحلم صدى لعمله اليومي. وكل ذلك احتمالات لا تُقطع.
وفي التفاصيل ما يلتفت إليه أهل التعبير. فالخيط الطويل المتين يُحمل على الثبات وطول النفس، والقصير المنقطع على أمر يحتاج إلى إعادة وصل. وانكسار الإبرة قد يعبر عن عائق عابر في العمل، دون أن تكون له دلالة سيئة بحد ذاتها. وتعدد القطع قد يدل على كثرة الأمور التي يجمعها الرائي في شأن واحد. ولا ينبغي أن تُجعل هذه التفاصيل قواعد جامدة، فهي تتبدل بتبدل الأحوال.
ومن التفاصيل شكل الثوب الذي ينتهي إليه الرائي. فإن خرج الثوب مناسبًا جميلًا فهو أقرب إلى معنى الرضا بالنتيجة، وإن خرج مائلًا أو ناقصًا فقد يشير إلى أن الأمر يحتاج إلى مراجعة. وإذا ساعده أحد في الخياطة فقد يدل ذلك على تعاون وتشارك. وإن لم يكتمل الثوب فقد يرتبط بأمر لا يزال قيد العمل. وهذه صور قريبة من الخبرة اليومية، فكثيرًا ما تكون الرؤيا امتدادًا لها.
ومن الزاوية النفسية العملية، قد تظهر هذه الرؤيا حين يعمل الإنسان على مشروع يحتاج إلى تجميع أجزاء متفرقة، أو حين يشعر برغبة في صنع شيء بيديه. وقد تكون الصورة تذكيرًا بأن الأمور الكبيرة تُبنى بخطوات صغيرة متتابعة، كما تُخاط الغرزة بعد الغرزة. ويمكن للرائي أن يقسم عمله إلى أجزاء ويمضي فيها بتؤدة. وهذه قراءة تأملية لا تغني عن مشورة مختص عند الحاجة، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية.
هذا الكلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس خبرًا يقينيًا عن المستقبل. وخير ما يفعله الرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعوه بالتيسير وتمام الأعمال وصلاح الحال، وأن يمضي في يومه بالعمل والتوكل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ومهما كثرت الأقوال فإنها لا تغير ما قدّره الله. فليطمئن الرائي وليسأل ربه التوفيق والسداد.
