قد يرى الإنسان في منامه خزانة ملابس، في بيته أو في مكان لا يعرفه، يفتحها فيجد فيها ثيابًا مرتبة أو معلقة في صفوف. وهي رؤيا رمزية تتصل في الغالب بما يدخره المرء من خيارات وبصورة استعداده للمراحل المختلفة، وليست خبرًا قاطعًا عن المستقبل. والمقال يعرض ما ذكره أهل التعبير على سبيل الاجتهاد، مع بيان أن الدلالة تختلف باختلاف الرائي وظروفه. فيُنظر إليها بهدوء ودون تهويل أو جزم.
الملابس في عالم الرؤى ترمز إلى الهيئة والحال والمكانة والاستعداد وصورة الإنسان أمام الناس. والخزانة هي الموضع الذي يجمع ما أعده المرء لأحواله المتعددة من ثياب لأيام العمل والمناسبات والراحة. فتُفهم عند بعضهم على أنها رمز لما يدخره الإنسان من خيارات وإمكانات واستعدادات. وقد تعبر عن ترتيب داخلي أو عن حاجة إلى ترتيب. غير أن هذه المعاني عامة، ولا يصح تعميمها على كل رائٍ.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الخزانة والصندوق قد يدلان على موضع حفظ أمور الرجل وما يدخره، وأن ما يُرى فيهما يُنظر إليه على هذا الأصل. ولا يخلو هذا القول من اختلاف في الرواية والنسبة بين الكتب المتداولة. وبعض ما يُذكر في الباب من اجتهاد المتأخرين الذين قاسوا على أصله. ولذلك يُؤخذ به على سبيل الاستئناس لا اليقين، ويُنظر إلى حال الخزانة وشعور الرائي.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخزائن قد تشير إلى ما يحفظه المرء من أمره ومتاعه وأسراره العادية في شؤون بيته. ورأى بعض المعبرين أن الخزانة المرتبة النظيفة أدل على حسن التدبير، وأن المضطربة تدل على أمر يحتاج إلى عناية. وخالفهم آخرون فنظروا إلى ما فيها من ثياب وألوانها. وهذا الاختلاف يؤكد أن التأويل مجال اجتهاد واسع.
أثر السياق كبير في هذه الرؤيا. فإن فتح الرائي خزانته وهو مرتاح يتأمل ما فيها، فهذا يميل إلى معنى الرضا بما عنده. وإن فتحها وهو محتار لا يعجبه شيء مما فيها، فقد يعكس رغبة في التجديد أو شعورًا بأن خياراته لا تناسب مرحلته. وإن كانت الخزانة في بيت قديم فربما ارتبط الأمر بما اعتاده من أحوال سابقة. وللمكان وللحاضرين أثر في ترجيح المعنى القريب.
للرائي أثر في التأويل. فالطالب قد تعبر الرؤيا عنده عن تفكيره فيما أعد لنفسه من علم ومهارات. والموظف قد يرى ذلك حين يراجع ما عنده من خبرات وما ينقصه. وربة البيت قد تكون الصورة عندها امتدادًا لعادة ترتيب البيت وحفظ حاجات أهلها. وأما كبير السن فقد ترمز عنده إلى تأمل ما اجتمع له عبر السنين. وكل ذلك احتمالات لا تُقطع، فلكل رائٍ ظرفه وحاله.
وفي التفاصيل ما يلتفت إليه أهل التعبير. فالخزانة الواسعة تُحمل على سعة الخيارات، والضيقة على تقييد أو كثرة مشاغل. وإذا كانت مغلقة بقفل فقد تدل على أمر يحرص الرائي على حفظه، وإن كانت مفتوحة على ظهور ما عنده. وتنوع ألوان ما فيها قد يدل على تنوع اهتماماته. ولا ينبغي أن تُجعل هذه التفاصيل قواعد جامدة. وكثيرًا ما يكون الحلم صدى لترتيب حقيقي قام به الرائي أو فكر فيه.
ومن التفاصيل نوع الثياب المعلقة في الخزانة. فالثياب الرسمية قد تدل على اهتمام بالعمل والمظهر المهني، والثياب المنزلية على الراحة والأسرة، وثياب المناسبات على الاستعداد للقاءات. وإذا كان بعضها قديمًا لم يُلبس منذ زمن فقد يعبر عن أمور تُركت دون استعمال. وإذا كانت مرتبة بحسب اللون فقد يدل على ميل إلى النظام. وهذه صور قريبة من الخبرة اليومية، وكثيرًا ما تكون الرؤيا امتدادًا لما يعيشه الإنسان في يقظته.
ومن الزاوية النفسية العملية، قد تظهر هذه الرؤيا حين يراجع الإنسان خياراته أو يستعد لانتقال، أو حين يشعر بأن في حياته ما يحتاج إلى فرز. وقد تكون الصورة دعوة هادئة إلى جرد ما عنده من إمكانات واستعمال ما أهمله منها. ويمكن للرائي أن يخصص وقتًا لترتيب خزانته وأفكاره معًا. وهذه قراءة تأملية لا تغني عن مشورة مختص عند الحاجة، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية.
هذا الكلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس خبرًا يقينيًا عن المستقبل. وخير ما يفعله الرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعوه بالتيسير وصلاح الحال، وأن يمضي في يومه بالعمل والتوكل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ومهما كثرت الأقوال فإنها لا تغير ما قدّره الله. فليطمئن الرائي وليسأل ربه التوفيق والسداد.
