يُعد السحاب من أكثر الرموز حضورًا في الأحلام، لأنه مشهد مألوف يراه الناس كل يوم ويتأملونه دون أن يتوقفوا عنده طويلًا. وتأتي رؤيته في المنام بصور متعددة، فمرة هادئة خفيفة ومرة كثيفة داكنة، ومرة قريبة ومرة بعيدة. والرؤيا رمز وليست خبرًا حرفيًا عن واقع قادم، ولذلك لا يصح أن تُبنى عليها قرارات أو توقعات قاطعة. وهذه القراءة الجامعة تجمع أبرز ما قيل في معانيه على وجه الاحتمال. وكلما قُرئت بهدوء كانت أقرب إلى الفائدة.
يرتبط السحاب في عالم الرموز بعدة معانٍ متقاربة، أولها الخير المنتظر الذي يقترب على مهل. وثانيها التغيّر، فالسحاب لا يبقى على حال بل يتحرك ويتبدل شكله. وثالثها التأمل، لأن النظر إلى الغيوم يفتح باب التفكير والخيال. ورابعها الغموض الهادئ والحجب المؤقت لأمر ما، وخامسها الأمل الذي تتطلع إليه النفس. ويرجّح المعنى المناسب بحسب السياق وشعور الرائي لا بحسب الرمز وحده.
نُسب إلى ابن سيرين أن السحاب قد يشير إلى الخير والمنفعة إذا كان صافيًا غير مظلم، وإلى انشغال وتبدل في الأحوال إذا كان كثيفًا متراكمًا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن للسحاب دلالات متباينة بحسب ما يقترن به من مطر أو ضوء أو ريح، وبحسب حال صاحب الرؤيا. ويختلف أهل التعبير في كثير من هذه الدلالات اختلافًا واسعًا، فلا يجتمعون على قول واحد. ومن الإنصاف أن يُقال إن الرموز الأقل شيوعًا، كتفاصيل اللون والتوقيت وأحوال الرائين المختلفة، أقل تناولًا في الكتب القديمة. ولذلك يجتهد المعاصرون في تقريب القواعد العامة من واقع الناس.
يتأثر المعنى بلون السحاب تأثرًا ملحوظًا في الاجتهاد. فالأبيض الصافي يوحي بالراحة والأمل، والرمادي يوحي بالتفكير والتردد، والداكن يوحي بانشغال أو قلق عابر. والذهبي أو الوردي عند الغروب أو الشروق يوحي بالجمال والهدوء. ولا ينبغي أن تُفهم هذه الدلالات على أنها قواعد ثابتة، فهي ميل عام يتفاوت بين الرائين. وكل ذلك ظن لا يبلغ اليقين.
ويتأثر المعنى بقرب السحاب وبعده وبحركته. فالقريب جدًا قد يدل على أمر حاضر في ذهن الرائي، والبعيد قد يدل على أمل ينتظر وقته. والبطيء قد يوحي بهدوء الأحوال، والسريع قد يوحي بتبدل متتابع. والسحاب الذي يتبع الرائي أو يحيط به قد يوحي بانشغال ملازم أو بشعور بالاحتواء. وللتحول إلى مطر أو ثلج أو ضوء أو شمس دلالات خاصة تتفاوت بحسب الصورة.
وفي حال العزباء قد يرتبط السحاب بتطلعاتها وآمالها وتأملها في مستقبلها، دون وعد بموعد أو نتيجة. وفي حال المتزوجة قد يرتبط بشؤون البيت والأسرة وما يشغلها من مسؤوليات. وفي حال الحامل قد يعكس ترقبًا هادئًا ومشاعر متقلبة تصاحب هذه الفترة، وهو ليس تشخيصًا ولا نصيحة طبية، ومرجعها الطبيبة المتابعة. وفي حال الرجل قد يرتبط بالعمل والمسؤوليات والطموح. وكل ذلك احتمال قابل للاختلاف.
وفي حال المريض والمهموم وكبير السن والمسافر والتاجر والطالب تتلون الدلالة بحسب ما يشغل كل واحد منهم. فالمريض قد يرتبط عنده السحاب بالانتظار والأمل في الراحة، دون أن يدل على شيء يخص مرضه، فالأمر مرجعه الطبيب. والمهموم قد يرى فيه صورة لأفكاره المتراكمة وما يمر بها من تبدل. والمسافر قد يرتبط عنده بالتنقل والترقب، والتاجر بحال عمله وترقبه، والطالب بدراسته ونتائجه. وكبير السن قد يرتبط عنده بالتأمل والذكريات والسكينة.
ومن التفاصيل التي تضيف دلالات كثيرة وقت الرؤيا وما يرافقها من عناصر. فالسحاب في الصباح الباكر قد يوحي ببداية جديدة، وبعد الظهر بمنتصف الطريق، وقبيل الاستيقاظ بحال النفس عند الانتقال إلى اليقظة. والسحاب الذي يختفي فجأة قد يوحي بانجلاء غموض، والذي يظهر فجأة بأمر مستجد. والسحاب الذي ينفتح عن شمس أو ينقشع عن ضوء قد يوحي بوضوح بعد انتظار. أما المطر الهادئ بعد السحاب فهو عند كثير من المعبّرين أقرب إلى الأمل والتجدد.
ومن الزاوية النفسية والعملية، تعكس الأحلام ما يشغل الإنسان في يقظته من أفكار ومشاعر وأمنيات. والسحاب بما فيه من تحول وغموض وهدوء مرآة مناسبة للأفكار المتراكمة والانتظار. ويفيد الرائي أن يدوّن حلمه ومشاعره، وأن يربطه بما يعيشه فعلًا، وأن ينظم نومه وراحته، وأن يتحدث مع من يثق بهم. وإذا صاحبت الأحلام ضيق مستمر أو أرق، فمن المناسب أن يستعين بمختص. فالرؤيا لا تغني عن التخطيط والمشورة ولا عن الرعاية الطبية.
وفي الختام، فإن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، ولا يُتخذ دليلًا قاطعًا على شيء. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه وأن يدعو بأن يجعل ما رأى خيرًا وأن يملأ قلبه طمأنينة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الإنسان إلا مجتهد في الفهم والعمل. فاللهم اجعل كل رؤيا طيبة بشرى وسكينة للقلب. ثم يمضي الرائي في يومه بتوكل وحسن ظن.
