أن يرى الإنسان في منامه سحابة تتشكل على هيئة وجه، يبتسم أو يحدّق أو يبدو ساكنًا، مشهد يثير الدهشة وربما شيئًا من الأنس أو الغرابة. وهي رؤيا رمزية لا تُقرأ على ظاهرها، ولا تدل على أمر محدد في الواقع. والإنسان بطبعه مهيأ لرؤية الوجوه في الأشياء، وهو أمر يحدث في اليقظة كما في المنام. وما يُذكر في تفسيرها اجتهاد يُستأنس به ولا يُجزم به، ويبقى للرائي أن يقارنه بحاله وشعوره.
تجمع هذه الرؤيا بين رمز السحاب ورمز الوجه؛ فالسحاب يرتبط بالخير المرتقب والتغيّر والتأمل والحجب المؤقت والأمل، والوجه يرتبط بالحضور والتعبير والعلاقات والهوية. وبذلك قد يدل المشهد على حاجة الرائي إلى الأنس والتواصل، أو على تأمل في صورته أمام نفسه، أو على خاطر يتعلق بعلاقة ما. وهو غالبًا أقرب إلى معنى الأنس والتأمل منه إلى أي إنذار، ما لم يصحبه شعور بالضيق.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُتداول عنه أن الوجه في المنام قد يدل على الحال والمكانة والسمعة بحسب ما يبدو عليه من بشاشة أو عبوس، وأن السحاب بوجه عام يُحمل على الخير ما لم يصحبه ضرر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ظهور الصور في غير موضعها قد يشير إلى معانٍ تتصل بمن تشبههم. وتتباين الآراء بين المفسرين تباينًا واسعًا، كما أن الوجه المتشكل من السحاب من الرموز الأقل تناولًا في الكتب القديمة، فلا ينبغي التسليم بتأويل قاطع، ولا ربط الصورة بشخص معين.
ويتغير المعنى بتغير السياق؛ فإذا كان الوجه باسمًا وادعًا والرائي مطمئنًا فهو أقرب إلى أنس وسكينة ورغبة في القرب من الناس. وإذا كان عابسًا والرائي متوترًا فقد يعبّر عن قلق داخلي أو شعور بالمراقبة أو النقد الذاتي. وإذا كان الوجه غير واضح الملامح فهو أقرب إلى غموض هادئ في علاقة أو أمر، وإذا كان واضحًا فقد يعبّر عن خاطر يلحّ على الذهن. وإذا تبدد الوجه ببطء فهو أقرب إلى انصراف خاطر عابر.
وللفتاة العزباء قد يشير المشهد إلى حاجتها إلى أنس وصحبة، أو إلى خيال يتصل بمستقبلها وعلاقاتها، أو إلى تأمل في صورتها أمام نفسها. وقد يعبّر عن مشاعر رقيقة تبحث عن تعبير. وليس فيه ما يدل على شخص محدد أو علاقة معينة. والأولى بها أن تعتني بعلاقاتها الطيبة وتستشير أهل الثقة في أمورها.
وللمرأة المتزوجة قد يدل على اشتياق إلى تواصل أعمق مع أسرتها أو إلى خاطر يتعلق بعلاقة قريبة، أو إلى حاجة إلى تقدير. وللحامل قد يعبّر عن تخيل ملامح الطفل المنتظر وما يرافق ذلك من مشاعر الحنان، ولا يُستدل به على حال الحمل أو الجنين أو شكله، وهو ليس نصيحة طبية، وعليها المتابعة مع الطبيبة. وللرجل قد يرتبط بتأمله في مكانته وصورته بين الناس أو بحاجته إلى أنس وصحبة. وكل ذلك احتمالات ظنية. ولا يصح اتهام أحد بناء على هذا المشهد.
وفي التفاصيل الدقيقة، إذا كان الوجه يبتسم ويتلاشى برفق فهو أقرب إلى خاطر لطيف عابر، وإذا كان يحدّق مدة فقد يدل على فكرة تشغل الرائي. وإذا كان وجه طفل فقد يرتبط بالبراءة والبدايات، وإذا كان وجه مسنّ فقد يرتبط بالوقار والتجربة، وإذا كان غير مألوف فقد يرتبط بالجديد المجهول. ولون السحاب وإضاءته وحال السماء من حوله تضيف إلى الصورة طابعًا من الصفاء أو الغموض.
ومن الناحية النفسية والعملية، قد تكون الرؤيا إشارة إلى حاجة النفس إلى الأنس والتواصل، فيحسن بالرائي أن يتواصل مع من يحب بكلمة طيبة أو زيارة أو اتصال، وأن يهتم بعلاقاته. وقد يفيده كذلك أن ينظر إلى ذاته بلطف وتقدير بدلًا من النقد القاسي. ومن كان يعاني وحدة شديدة أو خوفًا من المراقبة أو أعراضًا جسدية أو نفسية فعليه مراجعة المختص، فالمنام ليس نصيحة طبية. ولا تُبنى على الرؤيا قرارات مصيرية.
ومن اللطائف أن العلماء يذكرون أن الدماغ مهيأ لالتقاط الوجوه بسرعة، ولذلك يراها الناس في السحب والجدران والأشياء. وهذا يفسر لماذا يتكرر هذا المشهد عند كثير من الناس دون أن يعني شيئًا خاصًا. وإذا كان الأمر كذلك فالأحسن أن يُقابل بابتسامة وتأمل لا بتوجس، وأن يُفهم على أنه جزء من طبيعة الإدراك البشري، لا رسالة موجهة إلى أحد.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، وليس إخبارًا عما سيقع. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بأن يجعل رؤياه خيرًا وأنسًا وطمأنينة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا ينبغي الجزم بشيء. اللهم اجعل لكل قلب أنسًا وصحبة صالحة، وبارك في العلاقات الطيبة بين الناس.
