قد يرى النائم صراصير تتحرك في ظلمة الليل داخل المنام، فيستيقظ وفي نفسه شيء من القلق والتساؤل. والأصل أن هذه الرؤيا رمزية وليست حرفية، فهي لا تنبئ بحادثة ولا تدل على أمر بعينه في الغد. وإنما هي صورة ذهنية تجمع بين رمز الصرصور ورمز الليل، ولكل منهما دلالة عامة تتسع لأكثر من وجه. ومن الحكمة أن تُقرأ بهدوء في ضوء حال صاحبها ولا يُبنى عليها يقين.
الليل في الرؤى يرمز كثيرًا إلى الخفاء والسكون وما يدور في داخل النفس حين تهدأ الأصوات الخارجية. والصرصور يرمز إلى الهموم الصغيرة والمضايقات الخفية، فاجتماعهما قد يشير إلى أفكار صغيرة تظهر وقت الهدوء وتشغل صاحبها قبل النوم. وقد يدل على أمور مؤجلة لا يجد الرائي لها وقتًا نهارًا فتطل عليه ليلًا. وليس في ذلك حكم قاطع، فالمعنى يرجع إلى ما يعيشه الرائي من انشغالات وإلى مشاعره حين الاستيقاظ.
نُسب إلى ابن سيرين أن الحشرات التي تظهر في الليل قد تدل على منغصات خفية أو خصوم غير ظاهرين، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الهوام الليلية تشير إلى هموم تأتي على غفلة. غير أن هذه الأقوال عامة، ولم تُفرد كتب التراث للصرصور الليلي تفصيلًا خاصًا، فالرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة. واختلفت الآراء في الاعتماد على القياس، ولذلك تُذكر هذه الأقوال على سبيل الاستئناس لا الجزم ولا التخويف.
ويتأثر التأويل بسياق المشهد وبموقف الرائي: فإن أضاء المصباح فاختفت الصراصير فهذا أقرب إلى انكشاف الهم بالتدبير وزوال القلق بالمواجهة. وإن بقيت في الظلام وهو لا يراها جيدًا فقد يدل على قلق غير محدد المصدر. وإن كان الرائي مستلقيًا على فراشه يسمع حركتها فقد يشير إلى أفكار تتردد قبل النوم. وكل ذلك احتمال ظني يُعرض على حال الرائي ولا يلزمه.
وإن كانت الرائية عزباء، فقد تتصل الرؤيا بتفكير ليلي متكرر في أمر مستقبلها أو دراستها أو عملها أو قرار معلق تتردد فيه. وقد تكون دعوة إلى تهدئة الذهن قبل النوم وتفريغ الأفكار على الورق بدل حملها إلى الفراش. وليس في الرؤيا ما يدل على عائق في نصيبها أو سوء في أمرها، فهي غالبًا ترجمة لتعب الذهن وكثرة التفكير. ويحسن بها أن تستشير من تثق به من أهلها أو صديقاتها دون استعجال في الحكم على ما رأت.
وأما المتزوجة فقد تشير الرؤيا في حقها إلى مشاغل البيت التي تثقل عليها عند انتهاء يومها، أو إلى أفكار عن شؤون الأسرة تتردد ليلًا. وإن كانت حاملًا فقد يعبّر المنام عن قلق مفهوم وسهر طبيعي في هذه المرحلة، وليس في المنام نصيحة طبية ولا تشخيص، وأي شكوى صحية أو اضطراب نوم يُعرض على الطبيب. والأولى أن تتقاسم أعباءها مع أهل البيت وتأخذ قسطًا كافيًا من الراحة. ويفيد أن يكون الحوار مع الأسرة هادئًا وفي وقت مناسب، فكثير من الهموم الصغيرة تخف بالمصارحة.
وأما الرجل فقد تدل الرؤيا في حقه على التزامات العمل والمعاملات التي تلاحقه حتى في ساعات الراحة، أو على قرارات صغيرة يؤجلها فتتردد في ذهنه ليلًا. وقد تكون إشارة إلى حاجته إلى الفصل بين وقت العمل ووقت الراحة. ومن كان طالبًا فقد تعبّر الرؤيا عن ضغط الامتحانات والواجبات. ويبقى المعنى مرتبطًا بحاله، فمن كان مطمئنًا في يقظته فقد يكون المنام أثرًا لمشهد عابر. ويُستحسن أن يوازن بين التزاماته وأن يخصص وقتًا لنفسه وأهله حتى لا تتراكم عليه الضغوط.
وللتفاصيل أثرها: فعدد الصراصير في الظلام، وهل تتحرك على الجدار أو الأرض أو الفراش، وهل يسمع الرائي لها صوتًا أو لا، وهل ثمة ضوء خافت في المكان، كلها قرائن تُضاف إلى الصورة. فالضوء الخافت قد يرمز إلى بصيص أمل أو وضوح قادم، والظلام الكثيف إلى غموض في الأمر. ويبقى هذا كله استئناسًا ظنيًا، فلا يُبنى عليه جزم ولا يُحمَّل المنام فوق ما يحتمل. وليس من الإنصاف تحميل تفصيلة صغيرة في المنام أكثر مما تحتمل.
ومن الناحية العملية والنفسية، فإن هذه الرؤيا قد تكون تذكيرًا بأهمية تنظيم الليل: ترك الشاشات قبل النوم بوقت كافٍ، وتخفيف المنبهات والمشروبات المنبهة مساءً، وتدوين ما يشغل البال في ورقة ثم تأجيله إلى الغد. فالنوم المضطرب وكثرة التفكير يولدان أحلامًا مزعجة في كثير من الأحيان. وليس المطلوب القلق من الرؤيا، بل الاستفادة منها في تحسين الراحة والسكينة. وإذا تكررت المنامات المزعجة وأثرت في النوم أو المزاج فاستشارة مختص مناسبة، فليس هذا المنام نصيحة طبية.
وفي الختام، فهذا كله اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وقد تختلف قراءته من رائٍ إلى آخر بحسب حاله وظروفه. فمن رأى هذا المنام فليحسن الظن بربه، وليدعُ الله أن يهدئ باله ويرزقه راحة النوم وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما الرؤيا إلا إشارة رمزية قابلة لأكثر من تأويل، فلا تُبنى عليها قرارات مصيرية. والأولى أن يمضي المرء في يومه بالأخذ بالأسباب وحسن التوكل.
