قد يرى النائم صراصير تخرج من شقوق الحائط أو من خلفه، فيستيقظ وهو يتساءل عن سر هذا المشهد الغريب. والرؤيا في أصلها رمزية وليست حرفية، فلا تعني وجود أمر بعينه في جدران البيت ولا تُنبئ بحدث محدد. وإنما هي صورة ذهنية قد تحمل إشارة إلى شيء كان خفيًا ثم بدأ يظهر في وعي صاحبه. ومن الحكمة أن يُنظر إليها بهدوء ويُقرأ معناها في ضوء حال الرائي وما يشغله.
الحائط في الرؤى يرمز غالبًا إلى الحماية والحدود وما يفصل بين الداخل والخارج، وما يخرج منه يرمز إلى أمور كانت مستترة أو مؤجلة. فإذا خرج الصرصور من الحائط فقد يدل ذلك على هموم صغيرة كانت مخبوءة في النفس ثم طفت على السطح، أو على مسائل لم تُحسم وبدأت تطلب الالتفات. وقد يشير كذلك إلى مضايقات خفية لا يعرف الرائي مصدرها بدقة. ولا يُجزم بوجه واحد، فالمعنى يتحدد بالسياق وبحال صاحب الرؤيا.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الحشرات أن ما يخرج من الجدران أو الشقوق قد يدل على أمر مستور يظهر بعد حين، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الهوام الخارجة من مواضع غير معتادة تشير إلى مفاجآت يسيرة تنغص على صاحبها. غير أن هذه الأقوال عامة، ولم تُفرد كتب التراث للصرصور وهو يخرج من الحائط تفصيلًا خاصًا، فالرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة. واختلفت الآراء كذلك في مدى الاعتماد على هذا القياس.
ويتأثر المعنى بسياق المشهد: فإن خرج صرصور واحد أو قليل فالأقرب أن الأمر يخص مسألة صغيرة محدودة، وإن خرجت أعداد كثيرة فقد تدل على تراكم أمور مؤجلة. وإن كان الرائي ينظر بهدوء ويبحث عن مصدر الشق ليسده، فذلك أقرب إلى الرغبة في معالجة الأمر من جذره. وإن كان يفزع ويبتعد فقد يدل على رغبة في تجنب مواجهة موضوع معين. وكل ذلك يحتمل أكثر من وجه ولا يقطع بشيء.
وإن كانت الرائية عزباء، فقد تتصل الرؤيا بمشاعر أو أفكار كتمتها طويلًا ثم عادت إليها، أو بأمور تخص دراستها وعملها كانت تؤجلها. وقد تكون دعوة لطيفة إلى مصارحة النفس وترتيب الأولويات. وليس في الرؤيا ما يدل على عائق في نصيبها أو سوء في أمرها، بل هي في الغالب انعكاس لانشغال ذهني يطلب التنظيم. ويُستحسن أن تكتب ما يشغلها وتبدأ بأيسر ما فيه.
وأما المتزوجة فقد تشير الرؤيا في حقها إلى أمور صغيرة لم تُناقش مع أهل البيت وبدأت تظهر في صورة توتر خفيف، أو إلى مهام أسرية مؤجلة تحتاج إلى تنظيم. وإن كانت حاملًا فقد يعكس المنام قلقًا طبيعيًا من مرحلة جديدة، وليس في هذا المنام نصيحة طبية ولا حكم على الحمل، وكل هاجس صحي يُعرض على الطبيب. وفي ذلك دعوة إلى الحوار الهادئ مع الزوج أو من تثق به.
وأما الرجل فقد تدل الرؤيا في حقه على أمور في العمل أو المعاملات كانت مؤجلة أو غير واضحة، وبدأت تطلب منه قرارًا أو ترتيبًا. وقد تكون إشارة إلى ضرورة مراجعة الأوراق والالتزامات قبل أن تتراكم. ومن كان طالبًا فقد يعبّر المنام عن واجبات متأخرة. ويبقى المعنى مرتبطًا بحاله الفعلية، فمن لم يجد في يقظته ما يناسب ذلك فقد يكون المنام صدى لمشهد عابر أو لأفكار مبعثرة.
وللتفاصيل أثرها: فمكان الحائط، أهو في غرفة النوم أم المطبخ أم الصالة، وشكل الشق، وعدد ما يخرج، واتجاه حركته، كلها قرائن تُضاف إلى الصورة. فإن عادت الصراصير إلى الشق أو اختفت فذلك أقرب إلى زوال القلق مع التدبير. وإن استمرت في الخروج فقد يدل ذلك على أن المسألة تحتاج إلى وقت وصبر. وتبقى هذه الوجوه احتمالات ظنية يتأملها الرائي ولا يلزمه الأخذ بها.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا فرصة لسؤال النفس: ما الأمر الذي يؤجله الرائي ويتجنب النظر فيه؟ والأولى أن يدوّن الرائي ما يخطر له ويخصص وقتًا قصيرًا لمعالجة أيسره، وأن يتحدث مع شخص يثق به إن كان الهم يثقل عليه. ويفيد كذلك تهدئة النفس قبل النوم وتجنب الإفراط في متابعة المشاهد المزعجة. فالأحلام كثيرًا ما تتأثر بالتعب وبكثرة التفكير.
وفي الختام، فهذا كله اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وقد تتعدد وجوه الفهم بتعدد أحوال الرائين. فمن رأى هذا المنام فليحسن الظن بربه، وليدعُ الله أن يكشف عنه الهم ويرزقه راحة البال وصلاح الأحوال. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما الرؤيا إلا إشارة رمزية قابلة لأكثر من تأويل، فلا تُبنى عليها قرارات مصيرية. والأولى أن يمضي المرء في يومه بالأخذ بالأسباب وحسن التوكل.
