قد يرى النائم صراصير تتحرك في وضح النهار أو تحت إضاءة ساطعة في المنام، فيتساءل عن سبب ظهورها في موضع مكشوف. والأصل أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تدل على حادثة بعينها ولا تنبئ بأمر محدد. وإنما هي صورة ذهنية تجمع بين الصرصور وبين النور، ولكل منهما دلالة عامة تتسع لأكثر من وجه. ومن الحكمة أن تُقرأ بهدوء، وأن يُنظر فيها بما يناسب حال صاحبها.
النور في الرؤى يرمز غالبًا إلى الوضوح والانكشاف وظهور ما كان مستورًا. والصرصور يرمز إلى الهموم الصغيرة والمضايقات الخفية، فظهوره في النور قد يشير إلى أن أمرًا كان مخبوءًا أو مؤجلًا صار ظاهرًا أمام الرائي ولم يعد ممكنًا تجاهله. وقد يدل ذلك على قرب مواجهة مسألة صغيرة كانت تُؤجل، أو على وضوح مصدر ضيق كان غامضًا. ومع ذلك لا يُجزم بوجه واحد، فالمعنى يتحدد بحال الرائي وما يمر به.
نُسب إلى ابن سيرين أن الحشرات التي تظهر في العلن قد تدل على منغصات مكشوفة أو خصوم ظاهرين لا تأثير كبير لهم، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ظهور الهوام نهارًا يشير إلى أمور تنكشف بعد خفاء. غير أن هذه الأقوال عامة، ولم تُفرد كتب التراث للصرصور في الضوء تفصيلًا خاصًا، فالرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة. واختلفت الآراء في هذا القياس، ولذلك تُذكر الأقوال استئناسًا لا جزمًا.
ويتأثر المعنى بسياق الرؤيا: فإن اختفت الصراصير حين سطع النور فهذا أقرب إلى زوال الهم عند انكشاف الحقيقة ووضوح الرؤية. وإن بقيت في مكانها غير مبالية فقد يدل على أن الأمر يحتاج إلى معالجة هادئة لا إلى انتظار. وإن كان الرائي في مكان مفتوح أمام الناس فقد يشير إلى هم يظنه ظاهرًا للجميع وهو في الواقع أصغر مما يتخيل. وكل ذلك احتمال ظني يُعرض على حال الرائي.
وإن كانت الرائية عزباء، فقد تتصل الرؤيا بأمر كانت تخفيه أو تؤجل التفكير فيه ثم بدأ يتضح لها، كقرار دراسي أو مهني أو علاقة تحتاج إلى وضوح. وقد تكون دعوة لطيفة إلى مواجهة المسألة بهدوء. وليس في الرؤيا ما يدل على عائق في نصيبها أو سوء في أمرها، فهي غالبًا انعكاس لانشغال داخلي يبحث عن الوضوح. وفي مثل هذه الحال يفيدها أن تكتب ما يشغلها وتنظر فيه بعد أن تهدأ نفسها.
وأما المتزوجة فقد تشير الرؤيا في حقها إلى أمور صغيرة في شؤون الأسرة كانت تُتجاوز دون حوار ثم بدأت تظهر وتطلب الحوار والتنظيم. وإن كانت حاملًا فقد يعبّر المنام عن قلق مفهوم في هذه المرحلة، وليس في المنام نصيحة طبية ولا تشخيص، وأي هاجس صحي يُعرض على الطبيب المختص. وفي كل حال فالمصارحة الهادئة مع الزوج أو من تثق به خير من كتمان الهم. وليس من الحكمة أن يُبنى على المنام موقف تجاه أحد من أهل البيت أو الأقارب.
وأما الرجل فقد تدل الرؤيا في حقه على مسائل في العمل أو المعاملات صارت واضحة وتحتاج إلى قرار، أو على أخطاء صغيرة ظهرت ويمكن تداركها بالمراجعة. وقد تكون إشارة إلى أن تأجيل الأمر لن يزيده إلا ثقلًا. ومن كان طالبًا فقد يعبّر المنام عن واجبات ظهر وقتها. ويبقى المعنى مرتبطًا بحاله الفعلية، فمن لم يجد في يقظته ما يناسب ذلك فقد يكون المنام صدى لأفكار عابرة. وفي كل حال فالتدبير الهادئ والمشورة مع أهل الخبرة أنفع من الانشغال بالمنام وحده.
وللتفاصيل أثرها: فمصدر الضوء، أهو شمس أم مصباح، وقوة الإضاءة، وعدد الصراصير، وسرعتها، وهل يراها الرائي وحده أم بحضور آخرين، كلها قرائن تُضاف إلى الصورة العامة. فالضوء الهادئ قد يرمز إلى وضوح لطيف ويسير، والضوء الشديد إلى انكشاف سريع. ولا يصح أن يُعدّ شيء من ذلك حكمًا قاطعًا، فهي احتمالات يتأملها الرائي ويترك ما لا يناسبه منها. ويكفي أن تؤخذ هذه القرائن على سبيل التأمل لا على سبيل الحكم.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا فرصة لمواجهة ما كان يُؤجل بخطوات صغيرة هادئة: ترتيب الأوراق، أو إنجاز مهمة معلقة، أو الاعتراف لنفسه بما يضايقه ثم البحث عن حل. فالمواجهة المتدرجة أيسر من التراكم. ويفيد كذلك الاهتمام بنوم منتظم وتقليل ما يثير القلق قبل النوم. والغاية أن يتعامل الرائي مع المنام تعاملًا إيجابيًا يدفعه إلى الوضوح والاطمئنان. ومن أراد الاطمئنان فليأخذ بالأسباب العملية ويدع النتائج إلى الله.
وفي الختام، فهذا كله اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وقد تختلف قراءته من رائٍ إلى آخر بحسب حاله وظروفه. فمن رأى هذا المنام فليحسن الظن بربه، وليدعُ الله أن يرزقه الوضوح وراحة البال وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما الرؤيا إلا إشارة رمزية قابلة لأكثر من تأويل، فلا تُبنى عليها قرارات مصيرية. والأولى الأخذ بالأسباب وحسن التوكل.
