قد يفتح الإنسان في منامه خزانته فيرى فيها صرصورًا، فيشعر بمفاجأة وانزعاج لأن الخزانة موضع الترتيب والاحتفاظ بالأغراض الخاصة. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تعني وجود شيء في الخزانة الحقيقية ولا تدل على إهمال صاحبها. والخزانة في عالم الأحلام تُحمل غالبًا على ما يُخبّأ ويُدَّخر ويُؤجَّل من أمور وأسرار وأغراض عزيزة. ولذلك فالأقرب أن يتصل المعنى بأمر مخزون في النفس يحتاج إلى مراجعة هادئة.
يرمز الصرصور في عمومه إلى الهموم الصغيرة المتراكمة والمضايقات الخفية، فإذا ظهر في الخزانة فقد يُحمل على همّ صغير كان مؤجلًا أو مخبوءًا، أو على أمر لم يُراجع منذ مدة وصار يحتاج إلى نظر. وقد يشير إلى حاجة الرائي إلى ترتيب أوراقه وأغراضه وشؤونه المالية أو الشخصية. وقد يدل أيضًا على مشاعر قديمة لم يُفصح عنها. وكل ذلك احتمالات تأويلية لا جزم فيها، ويختلف المعنى باختلاف حال صاحب الرؤيا.
نُسب إلى ابن سيرين أن الخزانة والصندوق في الرؤيا يدلان على ما يدّخره الإنسان من مال وسرّ، وأن الهوام فيها قد تشير إلى منغصات يسيرة تتعلق بهذا الادخار. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحشرات الصغيرة في أماكن الحفظ ترمز إلى هموم يسيرة تعتري ما يملكه الإنسان. غير أن الصرصور في الخزانة بخصوصه قليل التناول في الكتب القديمة، وقد اختلفت العبارات في أمثاله. فالأولى أن تُؤخذ هذه الأقوال للاستئناس لا للقطع، مع تقديم ما يعرفه الرائي من حاله.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإذا ظهر الصرصور عند فتح الخزانة ثم هرب فقد يدل على أمر مؤجل زال أثره بمجرد النظر إليه، وإذا بقي ثابتًا فقد يشير إلى مسألة تحتاج إلى معالجة جادة. وإن كانت الخزانة في الحلم منظمة فالدلالة أخف، وإن كانت مزدحمة فقد تُحمل على تراكم الأمور. وإن كان الرائي يبحث عن شيء بعينه في الخزانة فقد يدل ذلك على سعيه إلى حل أمر ما. وشعور الرائي أثناء الحلم قرينة مهمة.
وللعزباء قد يدل الحلم على أمور مؤجلة تتعلق بتجهيز شؤونها أو بقرارات تخص مستقبلها، أو على مشاعر مخزونة لم تجد وقتها للكلام. وربما أشار إلى حاجتها إلى ترتيب أوراقها ومستنداتها. وللمتزوجة قد يُحمل على تراكم أمور البيت المؤجلة كترتيب الأغراض أو تجهيز المستلزمات، وعلى أن لديها كلامًا لم تقله بعد. وليس في الرؤيا حكم على بيتها، وإنما هي دعوة إلى الترتيب والمراجعة والتخفيف.
وللرجل قد يشير الصرصور في الخزانة إلى أوراق أو التزامات مؤجلة، أو إلى أمور مالية صغيرة تحتاج إلى مراجعة وتنظيم، فيحسن أن يخصص وقتًا لتصفية ما تراكم. وأما الحامل فالأقرب أن يُحمل الحلم على انشغالها بتجهيز أغراض الاستعداد وكثرة التفكير في التفاصيل، ولا يدل على شيء يخص صحتها أو حملها. وإن شعرت بقلق صحي فعليها بمراجعة الطبيب، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا بديلًا عن الفحص.
ومن التفاصيل الدقيقة رف الخزانة الذي ظهر فيه الصرصور، فالعلوي قد يتصل بأمور بعيدة المدى، والسفلي بأمور قريبة يومية. ويُنظر كذلك إلى ما في الخزانة، فإن كانت فيها ملابس فقد يتصل الأمر بالمظهر والمناسبات، وإن كانت فيها أوراق فقد يتصل بالالتزامات. ويُنظر إلى عدد الصراصير وحجمها وسرعتها، فالواحد الصغير أخف دلالة من المتعدد. ويفيد أن يدوّن الرائي ما تذكره بعد استيقاظه ليتضح له الأقرب من هذه الاحتمالات.
وعمليًا قد يكون الحلم دعوة لطيفة إلى ترتيب ما تراكم. فتخصيص نصف ساعة أسبوعيًا لتفريغ رف واحد، وفرز الأوراق، والتخلص مما لا حاجة إليه، يمنح النفس شعورًا بالخفة. كما أن كتابة قائمة بالأمور المؤجلة وتحديد أيسرها للبدء به يسهل الانطلاق. وكذلك فإن الكلام عمّا يثقل الصدر مع شخص موثوق يخفف الكتمان. وتنظيم النوم وتخفيف الانشغال الليلي يقلل الأحلام المزعجة. وهذه وسائل بسيطة نافعة.
ومما يحسن استحضاره أن الأحلام كثيرًا ما تعكس نشاط النهار، فربما كان الرائي قد فتح خزانته أو فكر في ترتيبها أو سمع عن حشرات في بيت ما، فظهرت الصورة في منامه. وفي هذه الحال قد لا يكون للحلم دلالة تتجاوز الانشغال العابر. ولذلك يحسن التروي وعدم التعمق في التأويل، فالنفس تتأثر بما يمر بها وتعيد ترتيبه في النوم. وهذا الفهم يخفف عن الإنسان ويمنح قلبه سكينة.
وفي الختام فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُتخذ دليلًا قاطعًا على ما سيقع. والأولى بصاحب الرؤيا أن يحسن الظن بالله، وأن يدعو بأن يصرف عنه الهموم ويرزقه الطمأنينة وحسن التدبير. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤى إلا إشارات قد تُفهم وقد لا تُفهم. فليمضِ في أمره بثقة وسكينة.
