قد يرى الإنسان في منامه أنه يقتل صرصورًا، فيستيقظ وفي نفسه شعور بالإنجاز أو بالانزعاج بحسب حاله. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تدل على فعل بعينه في الواقع، وإنما هي صورة ذهنية تعبّر عن شعور داخلي بالرغبة في التخلص من أمر يضايق. والإنهاء والحسم في الأحلام يُحملان غالبًا على اتخاذ قرار وإزالة سبب ضيق. ولذلك فالأقرب أن يتصل المعنى بحسم همّ صغير، ويحسن أن يُقرأ بهدوء وبلا تهويل.
يرمز الصرصور في عمومه إلى الهموم الصغيرة المتراكمة والمضايقات الخفية، فإذا أنهاه الرائي في المنام فقد يُحمل على أنه يحسم مسألة صغيرة كانت تزعجه أو يتخلص من أمر مؤجل طال انتظاره. وقد يشير إلى عزم على ترتيب الأمور وإنهاء ما تراكم. وقد يدل أيضًا على شعور بالقدرة على مواجهة ما يضايق. وكل ذلك احتمالات تأويلية لا جزم فيها، ويختلف المعنى باختلاف حال الرائي وما يشعر به أثناء الحلم.
نُسب إلى ابن سيرين أن الظفر بالهوام المؤذية والتخلص منها في الرؤيا قد يدل على زوال أذى يسير أو الغلبة على منغصات. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن قتل صغار الحشرات المؤذية يرمز إلى التخلص من هموم خفيفة أو انقضائها. أما قتل الصرصور بخصوصه فهو من الصور القليلة التناول في الكتب القديمة، وقد اختلفت العبارات في أمثاله اختلافًا ظاهرًا. فالأولى أن تُؤخذ هذه الأقوال للاستئناس لا للقطع، مع تقديم ما يعرفه الرائي من حاله وظروفه.
للسياق أثر مهم في المعنى. فإذا تم الأمر بسهولة وهدوء فقد يدل على أن الهمّ أقل صعوبة مما يبدو، وإذا احتاج إلى جهد ومحاولات فقد يشير إلى أن الأمر يتطلب صبرًا وتكرارًا. وإن عاد صرصور آخر بعد ذلك فقد يدل على أن الأمور الصغيرة تتجدد وتحتاج إلى متابعة. وإن شعر الرائي بالارتياح فذلك أقرب إلى الطمأنينة، وإن شعر بالانزعاج فقد يدل على أن الأمر لم يُحسم في نفسه بعد.
وللعزباء قد يدل الحلم على عزمها على حسم قرار مؤجل أو التخلص من فكرة أو موقف يضايقها، وربما على شعورها بقدرتها على مواجهة ما يشغلها. وللمتزوجة قد يُحمل على رغبتها في إنهاء أمر صغير عالق في البيت أو ترتيب ما تراكم من المهام، وعلى شعورها بالرغبة في استعادة النظام والراحة. وليس في الرؤيا حكم على حياتها ولا اتهام لأحد. فهي دعوة إلى المضي في الترتيب بهدوء ووعي.
وللرجل قد يشير الحلم إلى حسم التزام مؤجل أو إنهاء مهمة كانت تثقل عليه في العمل، فيحسن به أن يتابع الأمر حتى يكتمل وألا يؤجل ما تبقى. وأما الحامل فالأقرب أن يُحمل الحلم على رغبتها في الراحة والتخلص من التفكير الكثير، ولا يدل على شيء يخص صحتها أو حملها. وإن شعرت بقلق صحي فعليها بمراجعة الطبيب، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا يغني عن المتابعة. ويكفيها أن تمنح نفسها الهدوء والطمأنينة.
ومن التفاصيل الدقيقة طريقة الحسم وسرعته. فإن تم الأمر بسرعة فقد يدل على قدرة على اتخاذ قرار قريب، وإن تردد الرائي قبل ذلك فقد يدل على تردد في الواقع. ويُنظر كذلك إلى شعور الرائي بعد الحسم، فالراحة تدل على اطمئنان، والانزعاج على أن في النفس بقية. ويُنظر إلى عدد الصراصير وحجمها، فالواحد الصغير أخف دلالة من المتعدد الكبير. ويفيد أن يدوّن الرائي ما تذكره بعد الاستيقاظ ليتضح له الأقرب.
وعمليًا قد يكون الحلم تذكيرًا بأن إنجاز الأمور الصغيرة أولًا بأول يمنح النفس راحة كبيرة. فتحديد مهمة واحدة مؤجلة وإنهاؤها اليوم، ثم الانتقال إلى التي تليها، يعيد الإحساس بالسيطرة. كما أن تقدير الإنسان لما أنجزه يحفز على المتابعة. وكذلك فإن الكلام مع شخص موثوق يعين على اتخاذ القرار. وتنظيم النوم وتقليل الانشغال الليلي يخففان من الأحلام المزعجة. وهذه وسائل بسيطة نافعة في كل حال.
ومما يحسن استحضاره أن الأحلام التي يتصرف فيها الرائي بحزم قد تعكس رغبة في استعادة التحكم لا أكثر، وقد تكون صدى لموقف رآه في يومه أو لحشرة صادفها. وفي هذه الحال قد لا يكون للحلم دلالة تتجاوز هذا الانعكاس. ولذلك فالتروي أولى من التأويل المتعجل، وهذا الفهم يخفف عن النفس ويمنح القلب سكينة وهدوءًا.
وفي الختام فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُتخذ دليلًا قاطعًا على ما سيقع. والأولى بصاحب الرؤيا أن يحسن الظن بالله، وأن يدعو بأن يصرف عنه الهموم ويرزقه العزيمة الهادئة والطمأنينة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤى إلا إشارات قد تُفهم وقد لا تُفهم. فليمضِ في أموره بثقة وسكينة.
