قد يرى الإنسان صرصورًا على سريره في المنام، فيستيقظ منزعجًا لأن السرير موضع الراحة والسكينة. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تدل على وجود شيء في فراشه الحقيقي ولا على حال بيته. والسرير في عالم الأحلام يُحمل في الغالب على الراحة والحياة الشخصية والأسرية وما يتصل بالأمان النفسي. ولذلك فالأقرب أن يكون المعنى متعلقًا بهمّ يمس سكينة الرائي، ويحسن أن يُقرأ بهدوء وبلا تهويل.
يرمز الصرصور في عمومه إلى الهموم الصغيرة المتراكمة والمضايقات الخفية، فإذا وقف على السرير فقد يُحمل على همّ صغير يقترب من موضع الراحة، أي يؤثر في النوم والطمأنينة. وقد يشير إلى أفكار تلاحق صاحبها قبل النوم أو إلى مسألة صغيرة في الحياة الأسرية تشغل باله. وقد يدل أيضًا على حاجة إلى إعادة ترتيب وقت الراحة وحدودها. وكل ذلك احتمالات تأويلية لا جزم فيها، يختلف المعنى فيها باختلاف الأحوال.
نُسب إلى ابن سيرين أن الهوام إذا دنت من الفراش دلت على منغصات تتصل بأهل البيت أو بالراحة، وأن الفراش يرتبط بالأهل والمعيشة في كلام المعبرين. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحشرات الصغيرة إذا بلغت موضع النوم أشارت إلى هموم يسيرة تقلق صاحبها. لكن الصرصور على السرير بخصوصه قليل التناول في الكتب القديمة، وقد اختلفت أقوال المعبرين في أمثاله. فالأولى أن يُعد ذلك استئناسًا عامًا لا حكمًا يقينيًا.
يتغير المعنى بحسب السياق. فإذا كان الصرصور على طرف السرير ثم ابتعد فهو أقرب إلى قلق عابر يزول، وإذا بقي في وسطه فقد يشير إلى همّ ملحّ يتطلب انتباهًا. وإن كان الرائي مستلقيًا وقت ظهوره فقد يدل على أن الأفكار تشغله وهو في موضع الراحة، وإن كان واقفًا فقد يدل على استعداده لمواجهة الأمر. وإن كان الفراش في الحلم مرتبًا نظيفًا فالدلالة أخف، وإن كان مبعثرًا فقد يُحمل على تزاحم الأفكار.
وللعزباء قد يدل الحلم على همّ صغير يزاحم راحتها، كقرار قادم أو ضغط دراسي أو عملي أو كلام عابر من أحد، وربما على حاجتها إلى تنظيم وقتها ونومها. وللمتزوجة قد يُحمل على أعباء الأسرة وعلى حاجتها إلى وقت للراحة والكلام الهادئ مع زوجها، دون أن يكون فيه اتهام لأحد. وهو لا يدل على شيء في حياتها الخاصة سوى أن بالها مشغول بمسائل صغيرة تحتاج إلى ترتيب. فالرؤيا دعوة إلى الراحة والتخفيف.
وللرجل قد يشير الصرصور على السرير إلى أفكار العمل التي تلاحقه وقت راحته أو إلى التزامات أسرية ثقيلة، فيحسن به أن يحدد وقتًا لإنهاء مشاغله وأن يترك ما بعده للراحة. وأما الحامل فالأقرب أن يُحمل الحلم على اضطراب النوم وكثرة التفكير في الأيام المقبلة، وهو لا يدل على أمر يخص صحتها أو حملها. وإن شعرت بقلق صحي حقيقي فعليها بمراجعة الطبيب، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا يغني عن الفحص.
ومن التفاصيل الدقيقة موضع الصرصور من السرير وسرعة حركته. فإن كان قرب الوسادة فقد يتصل بأفكار الرأس والتفكير الكثير، وإن كان في أسفل السرير فقد يكون أمرًا بعيد الأثر. ويُنظر إلى عدده وحجمه، فالواحد الصغير أخف دلالة من المتعدد الكبير. وإذا غادر المكان سريعًا فهو أقرب إلى انزعاج عابر. ويفيد الرائي أن يكتب ما تذكره بعد استيقاظه مباشرة قبل أن تضعف الذاكرة، لأن التفاصيل الصغيرة تعين على التمييز.
وعمليًا يمكن أن يكون الحلم تذكيرًا بتهيئة وقت النوم تهيئة هادئة. فإبعاد الشاشات قبل النوم بوقت كاف، وتخفيف الإضاءة، وتخصيص دقائق لتدوين ما يشغل البال، من الوسائل المفيدة لتهدئة الذهن. كما أن ترتيب الفراش والغرفة يمنح النفس راحة تدريجية. وكذلك فإن الكلام مع شخص موثوق عمّا يثقل الصدر يخفف أثره. وهذه كلها وسائل بسيطة نافعة سواء كان للحلم معنى أم لا.
ومما يحسن استحضاره أن الأحلام التي تقع قرب وقت الاستيقاظ تكون أكثر رسوخًا في الذاكرة، فيحسب الرائي أنها أشد دلالة مما هي عليه. وقد يكون السبب بسيطًا كاضطراب النوم أو التعب أو كثرة التفكير في يوم مزدحم. ولذلك فالتروي في الحكم أولى، والنظر في الحال الجسدية والنفسية قبل التأويل أنفع. وهذا الفهم يخفف عن النفس ويمنع التعلق بالتفاصيل.
وفي الختام فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُبنى عليه جزم ولا قرار. والأولى بصاحب الرؤيا أن يحسن الظن بالله، وأن يدعو بأن يرزقه الطمأنينة وراحة البال ويصرف عنه الهموم. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤى إلا إشارات قد تُفهم وقد لا تُفهم. فليمضِ في أمره مطمئنًا وبيده ما يستطيع من الأسباب.
