قد يرى الإنسان في منامه صرصورًا على وجهه، فيستيقظ منزعجًا لأن الوجه أظهر ما في الإنسان وأقربه إلى الناس. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تدل على حال الوجه الحقيقي ولا على صحة صاحبه أو نظافته. والوجه في عالم الأحلام يُحمل غالبًا على الصورة أمام الناس والمكانة والحياء والثقة بالنفس. ولذلك فالأقرب أن يتصل المعنى بهمّ صغير يتعلق بالظهور أمام الآخرين، ويحسن أن يُقرأ بهدوء ودون تهويل.
يرمز الصرصور في عمومه إلى الهموم الصغيرة المتراكمة والمضايقات الخفية، فإذا ظهر على الوجه فقد يُحمل على همّ صغير يتعلق بمكانة الرائي بين الناس أو بكلام عابر عنه، أو بموقف يحرجه ويشغل باله. وقد يشير إلى قلق من مواجهة أمر ما بشجاعة، أو إلى انزعاج من تدخل الآخرين في شؤونه. وقد يدل أيضًا على حاجة إلى تقوية الثقة بالنفس. وكل ذلك احتمالات تأويلية لا جزم فيها، ويختلف المعنى بحسب الحال.
نُسب إلى ابن سيرين أن الوجه في الرؤيا يدل على الجاه والمكانة والقدر عند الناس، وأن ما يعتريه من الهوام قد يشير إلى منغصات يسيرة في هذا الباب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحشرات الصغيرة إذا اتصلت بالإنسان رمزت إلى هموم خفيفة تعتريه ثم تزول. غير أن الصرصور على الوجه بخصوصه قليل التناول في الكتب القديمة، وقد اختلفت العبارات في أمثاله اختلافًا ظاهرًا. فالأولى أن تُؤخذ هذه الأقوال للاستئناس لا للقطع، مع تقديم ما يعرفه الرائي من حاله.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإذا أزاح الرائي الصرصور عن وجهه بهدوء وانتهى المشهد فقد يدل على قدرته على تجاوز موقف محرج، وإذا بالغ في الاضطراب فقد يدل على قلق من نظرة الناس. وإن مرّ الصرصور سريعًا فهو أقرب إلى انزعاج عابر، وإن بقي فقد يدل على هاجس ملازم. وإن كان الرائي وحيدًا في الحلم فقد يتصل الأمر بما يدور في النفس، وإن كان بين الناس فقد يتصل بالمواقف الاجتماعية. وشعوره أثناء الحلم قرينة مهمة.
وللعزباء قد يدل الحلم على قلق صغير من موقف اجتماعي أو من لقاء مهم أو من كلام الآخرين عنها، وعلى حاجتها إلى الثقة بنفسها وبقيمتها. وربما أشار إلى رغبة في تحسين صورتها أمام نفسها قبل غيرها. وللمتزوجة قد يُحمل على انشغالها بصورة أسرتها أمام الناس أو بكلام الأقارب، وهو لا يدل على نقص فيها ولا في بيتها. فالرؤيا دعوة إلى الطمأنينة والاعتزاز بالنفس والتخفيف من الانشغال برأي الآخرين.
وللرجل قد يشير الصرصور على الوجه إلى قلق من سمعته المهنية أو من موقف علني يحرجه، فيحسن به أن يستعد جيدًا وأن يطمئن إلى جهده. وأما الحامل فالأقرب أن يُحمل الحلم على انشغالها بمظهرها وتغيرات هذه المرحلة المعتادة، ولا يدل على شيء يخص صحتها أو حملها. وإن شعرت بقلق صحي فعليها بمراجعة الطبيب، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا يغني عن الفحص. ويكفيها أن تمنح نفسها الراحة والرفق.
ومن التفاصيل الدقيقة موضع الصرصور من الوجه، فالجبين قد يتصل بالأفكار والمكانة، والخد بالحياء والمشاعر، وما حول العين بالنظرة والرؤية الشخصية للأمور. ويُنظر كذلك إلى سرعة الحركة وحجم الصرصور وعدده، فالواحد الصغير أخف دلالة من المتعدد. وإذا كان الرائي في الحلم أمام مرآة فقد يتصل الأمر بنظرته إلى نفسه. ويفيد أن يدوّن ما تذكره بعد الاستيقاظ فور قيامه ليتضح له الأقرب.
وعمليًا قد يكون الحلم تذكيرًا بأهمية رفع الثقة بالنفس وتخفيف الانشغال بنظرات الناس. فالتدرب على الكلام الهادئ أمام شخص قريب، والاستعداد المسبق للمواقف الاجتماعية، وتذكر الإنسان لجهوده وإنجازاته السابقة، كلها أمور تقوي الطمأنينة. كما أن كتابة ما يقلق من الموقف القادم وتحديد جواب هادئ له يخفف التوتر. وكذلك فإن الراحة الكافية والنوم المنتظم يخففان من الأحلام المزعجة. وهذه وسائل بسيطة نافعة في كل حال.
ومما يحسن استحضاره أن الأحلام تتأثر بما يمر بالإنسان قبل النوم، فربما كان الرائي قد نظر في المرآة أو انشغل بمظهره أو بمناسبة قادمة أو سمع كلامًا عن الحشرات. وفي هذه الحال قد لا يكون للحلم دلالة إضافية. ولذلك فالتروي أولى من التأويل المتعجل، فالنفس تعيد في نومها ترتيب ما شغلها نهارًا. وهذا الفهم يخفف عن الإنسان ويمنح قلبه سكينة ويحفظ له هدوءه.
وفي الختام فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُتخذ دليلًا قاطعًا على ما سيقع ولا على شيء يتصل بالصحة. والأولى بصاحب الرؤيا أن يحسن الظن بالله، وأن يدعو بأن يصرف عنه الهموم ويرزقه الثقة والطمأنينة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤى إلا إشارات قد تُفهم وقد لا تُفهم. فليمضِ في أموره بسكينة وثقة.
