يلفت النظر في بعض الأحلام ظهور الصرصور على الجدار وهو يمشي أو يقف ساكنًا، فيتساءل الرائي عن دلالة هذا المشهد. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تدل على حال الجدار الحقيقي ولا على نظافة بيت أو أهله. والجدار في عالم الأحلام يُحمل غالبًا على الحدود والحماية والخصوصية وما يفصل بين الداخل والخارج في الحياة. ولذلك فالأقرب أن يتصل المعنى بهمّ يقف عند حدود الراحة الشخصية، ويحسن أن يُقرأ بهدوء.
يرمز الصرصور في عمومه إلى الهموم الصغيرة المتراكمة والمضايقات الخفية، فإذا ظهر على الجدار فقد يُحمل على همّ ظاهر للعيان لم يدخل بعد إلى عمق الحياة الخاصة، أو على مضايقة تأتي من الخارج وتمر بمحيط الرائي. وقد يشير إلى أمر يراه صاحبه كل يوم لكنه يؤجل التعامل معه، أو إلى حاجة إلى رسم حدود أوضح في علاقاته وأعماله. وهذه كلها احتمالات تأويلية لا جزم فيها، ويختلف معناها باختلاف حال الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين أن الجدار في الرؤيا قد يدل على ما يحفظ أهل الدار أو يستر أمرهم، وأن الهوام عليه قد تشير إلى أذى يسير يطرأ على هذا الموضع. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحشرات الصغيرة إذا ظهرت على جدران الدار رمزت إلى منغصات خفيفة لا تدوم. غير أن الصرصور على الجدار بخصوصه من الصور القليلة التناول في الكتب القديمة، وقد اختلفت العبارات في أمثاله اختلافًا ظاهرًا. فالأولى أن تُؤخذ هذه الأقوال للاستئناس، مع تقديم ما يعرفه الرائي عن حاله.
يتغير المعنى بتغير السياق الذي ظهر فيه المشهد. فإذا كان الصرصور يصعد الجدار مبتعدًا فقد يدل على انصراف الهمّ، وإذا كان ينزل مقتربًا فقد يشير إلى أمر يقترب ويطلب التفاتًا. وإن ظل ثابتًا في مكانه فقد يوحي بمسألة معلقة لا تتحرك إلا بقرار. وإن كان الجدار في الحلم نظيفًا ومضاءً فالدلالة أخف، وإن كان معتمًا فقد يشير إلى غموض. وشعور الرائي أثناء المشهد قرينة مهمة في الترجيح بين هذه المعاني.
وللعزباء قد يدل الحلم على همّ صغير يتعلق بحدودها الشخصية، كحرصها على خصوصيتها أو انزعاجها من كلام الآخرين أو تدخلهم في قراراتها. وربما أشار إلى حاجتها إلى وضوح أكبر في علاقاتها. وللمتزوجة قد يُحمل على أمور خارجية تدخل على بيتها من أقارب أو جيران أو التزامات اجتماعية تشغلها، وعلى حاجتها إلى تنظيم ذلك بلطف. وليس في الرؤيا اتهام لأحد ولا حكم على بيتها، وإنما هي إشارة إلى رغبة في الهدوء والخصوصية.
وللرجل قد يشير الصرصور على الجدار إلى ضغوط خارجية تحيط بعمله أو بعلاقاته الاجتماعية، أو إلى مسألة ظاهرة لم يحسم أمرها بعد. وقد يدل على أهمية وضع حدود واضحة بين وقت العمل ووقت الأسرة. وأما الحامل فالأقرب أن يُحمل الحلم على كثرة التفكير فيما حولها من أمور وانشغالها بالتحضيرات، ولا يدل على شيء يخص صحتها أو حملها. وإن شعرت بقلق صحي فعليها بمراجعة الطبيب، فالحلم ليس نصيحة طبية.
ومن التفاصيل التي يُنظر فيها ارتفاع الصرصور على الجدار، فالمنخفض أقرب إلى أمر قريب سهل المنال، والمرتفع إلى أمر بعيد أو متعلق بأمور أعلى كالعمل والمسؤوليات. ويُنظر كذلك إلى اتجاه حركته وسرعتها، وإلى عدده وحجمه. فالواحد الصغير البطيء أخف من المتعدد السريع. وإذا كان إلى جانبه صور أخرى على الجدار فقد تدل على تعدد الأمور المشغلة. ومن المفيد أن يدوّن الرائي ما يتذكره بعد الاستيقاظ ليتضح له الأقرب.
وعمليًا قد يكون الحلم تذكيرًا بأهمية رسم الحدود الصحية في الحياة اليومية. فتحديد وقت لا يُستقبل فيه الاتصال بالعمل، وتنظيم الزيارات والالتزامات الاجتماعية، وقول الكلمة الطيبة اللطيفة عند الاعتذار عن أمر لا يناسب، كلها وسائل تخفف الضغط. كما أن ترتيب المكان الذي يقضي فيه الإنسان وقته يمنحه إحساسًا بالسيطرة والراحة. وكذلك فإن الراحة الكافية والنوم المنتظم يخففان من الأحلام المزعجة. وهذه الوسائل مفيدة في كل حال.
ومما يحسن استحضاره أن الأحلام كثيرًا ما تستعين بما يراه الإنسان في بيته من مشاهد مألوفة، والجدران من أكثرها حضورًا أمام العين. وقد يظهر الصرصور على الجدار لأن الرائي رأى حشرة قريبًا أو انشغل بتنظيف أو طلاء أو ترتيب البيت. ومع وجود هذا السبب القريب فقد لا يكون للحلم دلالة إضافية. ولذلك فإن التأمل في أحداث اليوم السابق قد يكون أنفع من التأويل، ويمنح النفس سكينة.
وفي الختام فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُتخذ دليلًا قاطعًا على ما سيقع. والأولى بصاحب الرؤيا أن يحسن الظن بالله، وأن يدعو بأن يصرف عنه الهموم ويرزقه الطمأنينة وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤى إلا إشارات قد تُفهم وقد لا تُفهم. فليمضِ في حياته بثقة وسكينة.
