قد يرى الإنسان في منامه صرصورًا يجري بسرعة هنا وهناك، فيشعر بتوتر لأن الحركة السريعة تلفت الانتباه وتثير الاضطراب. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تدل على أمر بعينه يقع في الواقع، وإنما هي صورة ذهنية تعبّر عن حالة داخلية. والجري في الأحلام يُحمل غالبًا على السرعة والاستعجال وتلاحق الأحداث والمشاغل. ولذلك فالأقرب أن يتصل المعنى بهمّ صغير يتحرك بسرعة ويشغل الذهن، ويحسن أن يُقرأ بهدوء.
يرمز الصرصور في عمومه إلى الهموم الصغيرة المتراكمة والمضايقات الخفية، فإذا جرى فقد يُحمل على همّ يبدو أنه يفلت من اليد ولا يمكن الإمساك به بسهولة. وقد يشير إلى مشاغل متلاحقة تتزاحم في وقت قصير، أو إلى أفكار تتسارع في الذهن بلا انتظام. وقد يدل أيضًا على شعور الرائي بأن الوقت يمضي أسرع من قدرته على إنجاز ما عليه. وكل ذلك احتمالات تأويلية لا جزم فيها، ويختلف المعنى باختلاف حال الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين أن حركة الهوام السريعة في الرؤيا قد تدل على أمور تتبدل بسرعة أو منغصات متلاحقة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحشرات الصغيرة إذا كثر جريانها دلت على هموم خفيفة تتعاقب. أما الصرصور الذي يجري بخصوصه فهو من الصور القليلة التناول في الكتب القديمة، وقد اختلفت العبارات في أمثاله اختلافًا ظاهرًا. فالأولى أن تُؤخذ هذه الأقوال للاستئناس لا للقطع، مع تقديم ما يعرفه الرائي من حاله وظروفه.
للسياق أثر مهم في المعنى. فإذا جرى الصرصور مبتعدًا ثم اختفى فقد يدل على انتهاء ضيق عابر، وإذا جرى في دوائر أو بلا اتجاه فقد يشير إلى تشتت الأفكار. وإن جرى نحو الرائي فقد يدل على أمر ملحّ يطلب التفاتًا، وإن جرى بعيدًا عنه فقد يدل على همّ لا يمسه مباشرة. وإن كان المكان مضاءً وواسعًا فالدلالة أخف، وإن كان ضيقًا فقد يُحمل على شعور بالزحام. وشعور الرائي أثناء الحلم قرينة مهمة.
وللعزباء قد يدل الحلم على تسارع الأفكار في ذهنها بشأن أمور كثيرة قريبة، كدراسة أو عمل أو علاقات، وعلى حاجتها إلى التهدئة وترتيب أولوياتها. وربما أشار إلى كلام عابر يتردد في ذهنها. وللمتزوجة قد يُحمل على سرعة إيقاع الحياة الأسرية وتزاحم المسؤوليات والمواعيد، وعلى حاجتها إلى توزيع المهام وأخذ فترات راحة. وليس في الرؤيا حكم على حياتها ولا اتهام لأحد. فهي دعوة إلى إبطاء الإيقاع والتخفيف عن النفس.
وللرجل قد يشير الصرصور الذي يجري إلى ضغط الوقت في العمل وتلاحق المهام والمواعيد، فيحسن به أن يرتب أولوياته وألا يحاول إنجاز كل شيء في وقت واحد. وأما الحامل فالأقرب أن يُحمل الحلم على تقلب المشاعر وكثرة التفكير في الاستعدادات، ولا يدل على شيء يخص صحتها أو حملها. وإن شعرت بقلق صحي فعليها بمراجعة الطبيب، فالحلم ليس نصيحة طبية ولا يغني عن المتابعة. ويكفيها أن تمنح نفسها وقتًا كافيًا للراحة.
ومن التفاصيل الدقيقة سرعة الجري واتجاهه والمكان الذي يجري فيه. فالسرعة الشديدة توحي بأمر ملحّ أو متقلب، والبطء بأمر ثقيل. والجري على الجدار قد يتصل بأمور ظاهرة، وعلى الأرض بأمور يومية قريبة. ويُنظر كذلك إلى عدد الصراصير وحجمها، فالواحد الصغير أخف دلالة من المتعدد الكبير. وإذا كان الرائي يحاول اللحاق به في الحلم فقد يدل ذلك على سعيه إلى السيطرة على أمر يشغله. ويفيد أن يدوّن ما تذكره بعد الاستيقاظ.
وعمليًا قد يكون الحلم تذكيرًا بأن تسارع الأمور يحتاج إلى إيقاع هادئ. فتقسيم الأعمال إلى خطوات صغيرة، وتخصيص وقت قصير للراحة بين المهام، وإنجاز الأهم أولًا، كلها وسائل تخفف الضغط. كما أن كتابة المهام على ورقة تقلل من تزاحم الأفكار. وكذلك فإن التنفس العميق عند الشعور بالتسارع يهدئ النفس. وتنظيم النوم يخفف الأحلام المزعجة. وهذه وسائل بسيطة نافعة في كل حال، سواء كان للحلم معنى أم لا.
ومما يحسن استحضاره أن الأحلام تتأثر بما يراه الإنسان قبل النوم، فربما كان الرائي قد رأى حشرة تجري أو انشغل بأمر عاجل في يومه أو كان متعبًا من كثرة المهام. وفي هذه الحال قد لا يكون للحلم دلالة إضافية تتجاوز انعكاس تعب النهار. ولذلك فالتروي أولى من التأويل المتعجل، وهذا الفهم يخفف عن النفس ويمنح القلب سكينة.
وفي الختام فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، ولا يصح أن يُتخذ دليلًا قاطعًا على ما سيقع. والأولى بصاحب الرؤيا أن يحسن الظن بالله، وأن يدعو بأن يصرف عنه الهموم ويرزقه الطمأنينة وحسن التدبير. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤى إلا إشارات قد تُفهم وقد لا تُفهم. فليمضِ في أموره بثقة وسكينة.
