قد يرى النائم صرصورًا أبيض اللون على غير المعتاد داخل المنام، فيستيقظ متسائلًا عن سر هذا اللون. والأصل أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تدل على شيء حقيقي في المكان ولا تنبئ بحدث محدد. وإنما هي صورة ذهنية تجمع بين رمز الصرصور ورمز اللون الأبيض، ولكل منهما دلالة عامة تتسع لعدة وجوه. ومن الحكمة أن تُقرأ بهدوء في ضوء حال الرائي، دون جزم أو تهويل.
اللون الأبيض في الرؤى يرمز غالبًا إلى الصفاء والوضوح والبساطة وما هو غير مألوف في سياقه، وقد يُقرأ كذلك على أنه إشارة إلى الهدوء. والصرصور يرمز إلى الهموم الصغيرة والمضايقات الخفية، فاجتماعهما قد يشير إلى هم صغير غير مألوف أو لم يعتد عليه الرائي، أو إلى مسألة خفيفة الأثر تأتي بصورة غير متوقعة. وقد يدل على هم يبدو واضحًا لكنه يسير. ولا يُجزم بوجه واحد، فالمعنى يتحدد بحال الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين أن اللون الأبيض في الرؤى يميل غالبًا إلى معاني الخير والبياض والوضوح، وأن الحشرات الصغيرة قد تدل على منغصات يسيرة، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اللون يخفف من وقع الرمز المرتبط به. غير أن هذه الأقوال عامة، ولم تُفرد كتب التراث للصرصور الأبيض تفصيلًا خاصًا، فالرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة. واختلفت الآراء في القياس، ولذلك تُذكر الأقوال استئناسًا لا جزمًا.
ويتأثر المعنى بسياق الرؤيا وموقف الرائي: فإن تأمله بهدوء واستغرب لونه فذلك أقرب إلى هم غير مألوف لا يستدعي القلق. وإن كان واحدًا وحيدًا فقد يشير إلى مسألة واحدة محددة. وإن كان بين صراصير عادية فقد يدل على أمر مختلف وسط هموم مألوفة. وإن اختفى بسرعة فذلك أقرب إلى هم عارض يزول سريعًا. وكل ذلك احتمال ظني يُعرض على حال الرائي.
وإن كانت الرائية عزباء، فقد تتصل الرؤيا بأمر جديد غير مألوف في دراستها أو عملها أو علاقاتها يشغل بالها قليلًا. وقد تكون دعوة لطيفة إلى التعامل مع الجديد بهدوء ومرونة. وليس في الرؤيا ما يدل على عائق في نصيبها أو سوء في أمرها، فهي غالبًا انعكاس لانشغال ذهني بما هو جديد أو غير معتاد. ويحسن بها أن تستشير من تثق به من أهلها أو صديقاتها دون استعجال في الحكم على ما رأت.
وأما المتزوجة فقد تشير الرؤيا في حقها إلى أمر صغير مستجد في البيت أو الأسرة لم تعتد عليه بعد، أو إلى تفصيلة مختلفة في الحياة اليومية. وإن كانت حاملًا فقد يعبّر المنام عن قلق مفهوم من تغيرات هذه المرحلة، وليس في المنام نصيحة طبية ولا تشخيص ولا حكم على الحمل، وأي هاجس صحي يُعرض على الطبيب. والأولى أن تطمئن نفسها وتستشير من تثق به. ويفيد أن يكون الحوار مع الأسرة هادئًا وفي وقت مناسب، فكثير من الهموم الصغيرة تخف بالمصارحة.
وأما الرجل فقد تدل الرؤيا في حقه على مسألة جديدة في العمل أو الدراسة غير مألوفة له، أو على تغيير صغير في ترتيبات حياته يحتاج إلى وقت للتكيف. وقد تكون إشارة إلى أهمية المرونة وتقبل المستجدات. ومن كان في مرحلة انتقال فقد تعبّر الرؤيا عن قلق التغيير. ويبقى المعنى مرتبطًا بحاله الفعلية. ويُستحسن أن يوازن بين التزاماته وأن يخصص وقتًا لنفسه وأهله حتى لا تتراكم عليه الضغوط.
وللتفاصيل أثرها: فدرجة البياض، أهي ناصعة أم باهتة، وهل يبدو الصرصور هادئًا أم مسرعًا، وهل هو على سطح داكن أم فاتح، وهل ثمة ضوء، وهل الرائي وحده، كلها قرائن تُضاف إلى الصورة. فالسطح الداكن مع اللون الفاتح قد يشير إلى وضوح مسألة وسط غموض عام. وتبقى هذه الاحتمالات ظنية يتأملها الرائي ولا يلزمه الأخذ بها، فالألوان في المنام تتأثر بالإضاءة وبحال النائم. وليس من الإنصاف تحميل تفصيلة صغيرة في المنام أكثر مما تحتمل.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا فرصة للتأقلم مع المستجدات بهدوء: تدوين ما يشغل البال، وتحديد ما يمكن معالجته، والتحلي بالمرونة تجاه ما لم يألفه. فالتغييرات الصغيرة تثقل الذهن أحيانًا فتنعكس في المنامات بصور غريبة. والغاية أن يتعامل الرائي مع المنام تعاملًا إيجابيًا يدفعه إلى الاطمئنان لا إلى القلق. وإذا تكررت المنامات المزعجة وأثرت في النوم أو المزاج فاستشارة مختص مناسبة، فليس هذا المنام نصيحة طبية.
وفي الختام، فهذا كله اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وقد تختلف قراءته من رائٍ إلى آخر بحسب حاله وظروفه. فمن رأى هذا المنام فليحسن الظن بربه، وليدعُ الله أن يرزقه الوضوح وراحة البال وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما الرؤيا إلا إشارة رمزية قابلة لأكثر من تأويل، فلا تُبنى عليها قرارات مصيرية. والأولى الأخذ بالأسباب وحسن التوكل.
