قد يرى النائم تمساحاً في الحمام، في الحوض أو خلف الستارة أو قرب المغسلة، وهو مشهد غريب وصادم بسبب اجتماع حيوان ضخم مع مكان صغير ضيق وخاص. وهذا الحلم أقل شيوعاً من غيره، لكنه يترك أثراً قوياً بسبب الحرج والمفاجأة اللذين يصاحبانه. وهو بطبيعة الحال رمز وليس واقعاً، ولا يدل على شيء بعينه سيحدث. وما يرد هنا من تأويلات آراء متفاوتة لا يصح أن تؤخذ على أنها قطعية، فالحلم قد يكون مجرد نتاج تعب وتوتر.
الحمام في الرموز مكان الطهارة والخصوصية والتخلص مما علق بالجسد، وهو كذلك مكان الانكشاف الشخصي حيث يكون الإنسان في أبسط حالاته. وتجمع الصورة بين هذه الخصوصية وبين قوة تمثلها التمساح، فقد تعبّر عن شعور بأن أمراً قوياً اقتحم مجالاً شديد الخصوصية في حياة الرائي. وبعضهم يرى فيه قلقاً من انكشاف أمر خاص أمام الناس، أو خوفاً من فقدان الخصوصية، وهو شعور شائع في زمن تنتشر فيه الصور والمعلومات. وقد يرتبط عند آخرين بشعور داخلي لم يُسمَّ بعد، فيظهر في أكثر الأماكن انفراداً.
نُسب إلى ابن سيرين أن الحمام قد يدل على مكان يتخلص فيه الإنسان من همومه أو يظهر فيه ما كان مستوراً، وأن ما يُرى فيه يتصل بحال صاحبه الخاصة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأماكن المغلقة الصغيرة في الرؤيا قد تدل على ضيق وحصر، وأن ما يدخلها من الوحوش يرمز إلى ما يزيد الضيق. ولا بد من بيان أن التمساح أقل ذكراً في الكتب القديمة من الأسد والحية، وأن ربطه بالحمام قياس بين بابين لا نص فيه. واختلف المفسرون في ذلك اختلافاً بيناً. ولا يجوز توجيه المعاني إلى أحد من الناس، لا من الأهل ولا من الجيران.
وتتغير الدلالة بحسب موضع التمساح داخل الحمام: فإن كان في حوض الاستحمام فقد يرتبط الأمر بالتخلص من الهم والتجديد، وإن كان خلف الباب فقد يرتبط بأمر يحول بين الرائي وبين الخروج، وإن كان قرب النافذة فقد يشير إلى ما يأتي من الخارج. وإن كان الماء جارياً فقد يشير إلى تجدد، وإن كان راكداً فقد يشير إلى ركود. وإن استطعت الخروج بسهولة فهذا يدل على قدرة على الخلاص، وإن علقت فقد يدل على شعور بالحصر. وهذه كلها قرائن تقريبية.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر الحلم عن حساسية تجاه الخصوصية والخوف من التدخل في شؤونها الخاصة أو الحديث عنها. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن حاجة إلى وقت خاص بعيداً عن مسؤوليات البيت، فتظهر الحاجة في أكثر الأماكن خصوصية. وللحامل قد يوحي بتغيرات جسدية ونفسية تجعلها أكثر حساسية للخصوصية والراحة. وليس في هذه القراءات ما يدل على حدث، فهي رموز عامة لا أكثر.
وللرجل قد يشير الحلم إلى قلق من انكشاف أمر خاص في العمل أو الدين أو العلاقات، أو إلى شعور بالحصار في موقف يريد الخلاص منه. وللتاجر قد يرتبط بقلق من انكشاف أسرار عمل أو أرقام أو خطط. وقد يُقرأ الحلم على أنه تذكير بحماية المعلومات الخاصة والتروّي في ما يُقال. ولا يعني الحلم أن سراً سيُكشف فعلاً. فالاحتياط المعتدل في حفظ الأوراق والكلام أمر محمود دائماً.
ومن التفاصيل المفيدة: هل كان الحمام نظيفاً أم مهملاً؟ فالنظافة قد توحي بترتيب داخلي والإهمال قد يوحي بأمور مؤجلة. وهل كان الباب مفتوحاً أو مغلقاً؟ وهل كانت الإضاءة قوية أم خافتة؟ والإضاءة الخافتة قد تدل على غموض، والقوية على وضوح. وهل كان معك أحد في البيت تسمعه؟ فوجود من تسمعه قد يدل على وجود دعم قريب. وهل كان التمساح يبدو محشوراً في المكان الضيق؟ فالحشر قد يوحي بأن الأمر نفسه عالق وضيق، وليس الرائي وحده. وكلها قرائن ظنية.
ومن زاوية لطيفة، قد يُقرأ اجتماع الماء والتمساح في مكان الاستحمام على أنه صورة مبالغ فيها لقلق بسيط يتضخم في لحظات الخلوة، فالإنسان في أوقات الانفراد يسمع صوت قلقه أعلى. وهذا يعني أن علاج الحلم قد يكون في منح النفس وقتاً للهدوء بدل الهروب منها. فالخلوة المنظمة بالتأمل والذكر والدعاء تحول هذه اللحظات إلى مصدر سكينة. وهي فكرة تأملية يحق للرائي أن يأخذها أو يتركها.
والجانب النفسي أن الأماكن الضيقة المغلقة في الأحلام تعكس غالباً شعوراً بالضغط أو الحصر، وأن الأماكن الخاصة تعكس حاجة إلى حدود صحية مع الآخرين. ومن المفيد أن يراجع الإنسان علاقاته، فيضع حدوداً لطيفة واضحة حين يحتاج، وأن يمنح نفسه فسحة من الراحة. كما أن تقليل أوقات الشاشات قبل النوم وتهيئة غرفة هادئة تساعد على نوم أعمق. وإن لازمه الحلم مع قلق شديد فلا بأس من استشارة مختص. فالعناية بالنفس لا تتعارض مع الإيمان.
وخلاصة القول أن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، لا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في شأن من شؤون الحياة، ولا أن يُتخذ دليلاً على أحد. والغيب علمه عند الله وحده. فتوجه إليه بالدعاء، وأحسن الظن به، وتابع يومك بقلب مطمئن وعمل متقن.
