قد يرى النائم نهراً كبيراً واسعاً يجري أمامه وفي مياهه تمساح يسبح أو يستريح عند الضفة، فيقف مأخوذاً بين جمال المشهد وهيبته. وهذا من الأحلام الأقرب إلى الصور الطبيعية الواقعية، فكثير ممن يرون التمساح يرونه في بيئته المعروفة، أي النهر. وقد يتكرر هذا الحلم عند من يمرون بمرحلة تغيير أو انتقال أو عند من يتأملون مجرى حياتهم. ولا بد من التنبيه إلى أن ما يلي قراءة رمزية لا تُحمل على ظاهرها، فالنهر والتمساح صورتان ذهنيتان تعبّران عن مشاعر في النفس، ولا تنقلان خبر الغيب.
وفي الرموز العامة يُنظر إلى التمساح على أنه كائن قوي صبور يكمن بهدوء، ويرتبط عند بعضهم بالخصم المستتر أو بالخطر الصامت أو بالطبع الشديد. وأما النهر فيُقرأ عادة بوصفه رمزاً لمجرى الحياة وتدفق الأيام والأحوال المتجددة، وللاستمرار والتحول. فاجتماعهما قد يوحي بأن الرائي يشعر بأن في مجرى حياته جانباً قوياً يحتاج إلى الانتباه. وقد يوحي في قراءة أخرى بأن القوة والصبر جزء طبيعي من هذا المجرى. وكلها احتمالات تأمل لا غير.
ونُسب إلى ابن سيرين في باب الحيوانات المفترسة أنها قد تدل على أصحاب قوة وبأس، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ مقاربة في الدواب الضارية عموماً، وذكر بعض المفسرين أن الأنهار الكبيرة قد تتصل بالأحوال الجارية وبمن بيده الأمر والتصرف في الشؤون. ولا بد من الصراحة بأن التمساح أقل حضوراً في كتب التعبير القديمة من الأسد والحية، فكثير مما يُقال عنه قياس بالمماثلة. وقد اختلف المفسرون في هذه الأبواب اختلافاً واسعاً، ولا يُراد بهذه القراءات اتهام أحد.
والمعنى الأقرب نفسياً أن النهر يمثل مسار الحياة، وأن التمساح يمثل ما في هذا المسار من قوة أو قلق أو تحدٍّ يحتاج إلى حذر. فربما كان الحلم تعبيراً عن مرحلة انتقال يشعر فيها الرائي بأن الأمور تجري بسرعة وأن في طريقها ما يحتاج إلى انتباه. وقد يكون تأملاً في قدرة الإنسان على التعايش مع عناصر قوية في بيئته دون أن يخاف منها أو يتجاهلها. وهذا معنى متوازن يميل إلى الحكمة والتأني.
وتتغير الدلالة بالتفاصيل؛ فإن كان النهر هادئاً صافياً فالمعنى أقرب إلى سلاسة وطمأنينة، وإن كان عكراً سريع الجريان فهو أقرب إلى تسارع وغموض. وإن كان التمساح على الضفة يستريح فالأمر أخف، وإن كان في وسط التيار فالقلق أقرب. وإن كان الرائي على جسر أو قارب فقد يعبّر ذلك عن موقف العبور، وإن كان على الضفة فعن موقف المتفرج. ويبقى شعور الرائي هو الأهم.
وللفتاة غير المتزوجة قد يتصل الحلم بانتقالها إلى مرحلة جديدة في الدراسة أو العمل أو الحياة، وللمرأة المتزوجة قد يتصل بمجرى الحياة الأسرية وما فيه من تقلبات، وللرجل قد يتصل بمسيرته العملية وما فيها من تحديات، وللحامل قد يتصل بالمرحلة الجارية وما تحمله من تغيرات. وهي قراءات للتأمل لا للجزم، ولا تحمل نذيراً بشيء.
ومن الدقائق التي تستحق الانتباه: في أي اتجاه كان النهر يجري؟ هل كان واسعاً حتى لا ترى الضفة الأخرى؟ هل كان هناك ضوء شمس أم غيم؟ هل عبرت النهر أم بقيت؟ فالعبور قد يعبر عن رغبة في الانتقال، والبقاء قد يعبر عن تريث. ولا تفسّر هذه التفاصيل بأحداث حقيقية أو أشخاص بعينهم. ويحسن أن تدوّن الحلم وتقرأه بعد هدوء.
وعملياً يمكن أن يكون الحلم دعوة إلى التأمل في مجرى حياتنا: هل أنا راضٍ عن الاتجاه؟ هل أستعد جيداً لما يعترضني؟ هل أحتاج إلى التخفف أو إلى التمهل؟ فمن عرف مجراه سار فيه بثبات. ومن المفيد أن نمنح أنفسنا لحظات هادئة قرب الماء الحقيقي أو في مكان مريح، لنرتب أفكارنا. وهذه معانٍ نفسية بسيطة تنفع في كل حال.
ومن الإنصاف أن نقول إن النهر والتمساح من الصور المتلازمة في الذهن، فظهورهما معاً قد يكون بسبب ما شاهده الإنسان من صور وأفلام وثائقية أكثر مما يكون لدلالة خاصة. ولهذا لا ينبغي المبالغة في تأويلهما. ويكفي أن يأخذ الرائي المعنى العام للحذر والتأمل والتأني في مسير حياته.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي، ولا أن يُتخذ سبباً للخوف من الغد. والأجدر أن يتجه الرائي بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يأخذ بالأسباب المعقولة. وما يأتي به الغد من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلا يعلمه إلا هو. فليهدأ الرائي وليمضِ في يومه مطمئناً.
