بعد عرض صور كثيرة لرؤية التمساح في المنام، من تمساح ساكن على الضفة إلى آخر يسبح تحت الماء، ومن تمساح ودود إلى غاضب، يحسن أن نختم بنظرة جامعة تجمع خيوط هذه المعاني في صورة واحدة. فالتمساح من أكثر الحيوانات حضوراً في المخيلة، وقد يظهر في الأحلام عند الكبار والصغار، وفي أحوال الراحة والتعب معاً. وهذه الخلاصة لا تحمل قولاً قاطعاً، وإنما هي قراءة رمزية هادئة لا تُحمل على ظاهرها، تساعد الرائي على فهم ما قد تعنيه الصورة في نفسه.
وأول ما يجمع هذه المعاني أن التمساح في الأحلام يرمز في كثير من القراءات إلى القوة المستترة، أي إلى شيء كبير الأثر لكنه لا يُظهر نفسه. وقد يكون هذا الشيء قلقاً داخلياً أو ضغطاً محيطاً أو خوفاً من أمر غير واضح. ومن أبرز صفاته في الرمز الصبر والكمون والهدوء الذي يسبق الحركة. وهذه الصفات تفتح باب معنيين متقابلين، أحدهما الحذر مما يترقب بصمت، والآخر الاقتداء بالصبر وضبط النفس. وكلاهما احتمال قائم يتحدد بحال الرائي.
ونُسب إلى ابن سيرين في باب الحيوانات المفترسة أنها قد تدل على أصحاب قوة وبأس، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ مقاربة في الدواب الضارية عموماً، فربط بعض المفسرين التمساح بخصم قوي مستتر أو بشخص شديد الطبع. ولا بد من الصراحة بأن التمساح أقل حضوراً في كتب التعبير القديمة من الأسد والحية، فكثير مما يُقال عنه قياس بالمماثلة. وقد اختلف المفسرون في هذه الأبواب اختلافاً واسعاً، ولا يُراد بهذه القراءات اتهام أحد ولا تعيين شخص أو جماعة، وإنما هي تأملات في الرمز.
وثاني ما يجمع هذه المعاني أن الماء المصاحب للتمساح يلعب دوراً كبيراً في القراءة؛ فالماء الصافي يميل إلى الوضوح والأمان، والعكر إلى الغموض والتردد، والعميق إلى الأعماق النفسية والمجهول، والفيضان إلى الإرهاق والغمر، والنهر إلى مجرى الحياة. فالرمز لا يُقرأ منفرداً بل في سياق بيئته. وكذلك المكان، هل هو ضفة أم نهر أم بيت، فإن لكل مكان دلالة تضاف إلى دلالة التمساح. وهذا ما يجعل كل حلم فريداً في معناه رغم تشابه الصور.
وثالثها أن سلوك التمساح وهيئته يغيران المعنى كثيراً؛ فالساكن غير المتحرك، والمتربص غير الودود، والغاضب غير المبتسم، والباكي غير المتكلم. وكل هذه الأحوال تعبّر عن درجات مختلفة من الشعور: توجس، وخوف، وألفة، وحزن، وحيرة. كما أن تحوله إلى إنسان أو حجر أو حيوان آخر يعبّر عن تغير النظرة إلى الأمر الذي يمثله. وهذه التحولات صور رمزية عن السمات لا عن أشخاص، ولا يجوز أن تُستعمل في وصف أحد من الناس.
ورابعها أن حال الرائي نفسه هي الأهم؛ فللفتاة غير المتزوجة قد يتصل الحلم بقلق من المستقبل أو قرار قريب، وللمرأة المتزوجة قد يتصل بأعباء البيت والمسؤوليات، وللرجل قد يتصل بضغوط العمل والالتزام، وللحامل قد يتصل بقلق الانتظار الطبيعي، وللتاجر قد يتصل بحذر مهني معتاد، وللمسافر بتوجس من المجهول. وكل ذلك احتمالات للتأمل لا أحكام، وللرائي وحده أن يرى ما يناسب حاله منها وما لا يناسب.
وخامسها أن الصور الحديثة، كالأفلام والرسوم واللعب وحقائب الجلد وأحذيته، لم تكن معروفة في كتب التعبير القديمة، فلا يوجد فيها نص يُعتمد عليه، وإنما هي تأملات معاصرة تستند إلى المعاني العامة. وغالباً ما تكون هذه الصور صدى لما رآه الإنسان في يقظته، فلا يصح أن يُبالغ في تأويلها أو أن يُحمّلها أكثر مما تحتمل. فالذهن يستعير من النهار مواده ليصنع ليله، وهذا من طبيعته.
وسادسها أن للأحلام جانباً نفسياً عملياً لا يقل أهمية عن جانبها الرمزي. فالتمساح في أغلب الأحوال يعبّر عن قلق لم يُسمَّ، والتسمية تخفف الثقل. والتحدث مع شخص موثوق، والكتابة، وتنظيم النوم، وتخفيف المثيرات قبل النوم، والتأني في اتخاذ القرارات، كلها وسائل بسيطة تعيد الطمأنينة. ومن تكرر عليه الحلم ولم يخفّ فلا حرج عليه في استشارة مختص. فهذه كلها أسباب مشروعة تنفع الإنسان في كل حال.
وسابعها أن الحذر الواجب عند التعامل مع هذه الرموز هو ألا تتحول إلى اتهام أو سوء ظن. فالتمساح في المنام ليس شخصاً، والخصم المستتر في الرمز ليس إنساناً بعينه، والخداع الخفي ليس وصفاً لأحد. والأحلام لا تصلح دليلاً على أمر في الواقع، ولا تُبنى عليها علاقات ولا مواقف ولا قرارات. والأصل في الناس السلامة وحسن الظن، وهذا ما يحفظ القلب نقياً ويحمي من الظلم.
وثامنها أن المعنى الأعمق الذي يمكن أن يخرج به الرائي من أي حلم بالتمساح هو دعوة إلى التوازن: بين الحذر وحسن الظن، وبين القوة والرفق، وبين الصبر والعمل، وبين الخوف والطمأنينة. فالتمساح يذكّرنا بأن في الحياة قوى لا نراها دائماً، وبأن الحكمة أن نتعامل معها بهدوء وفهم لا بذعر ولا بإهمال. وهذا معنى جامع نافع يمكن أن يستفيد منه كل من رأى هذا الرمز على اختلاف حاله.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي، ولا أن يُتخذ سبباً للخوف أو لاتهام أحد من الناس. والأجدر أن يتجه الرائي بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يأخذ بالأسباب المعقولة. وما يأتي به الغد من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلا يعلمه إلا هو. فليهدأ الرائي وليمضِ في يومه بقلب مطمئن وثقة بربه.
