قد يرى النائم تمساحاً تسيل من عينيه الدموع، فيقف أمامه بين الدهشة والإشفاق، وقد يتساءل كيف يبكي كائن اشتُهر بالقوة والصلابة. وهذا مشهد قوي التأثير في النفس لأنه يقلب الصورة المعتادة للتمساح من الرهبة إلى الرقة. وقد يكثر عند من يمرون بفترة حزن مكتوم أو بحاجة إلى تفريغ مشاعر لم يعبّروا عنها. ومن المهم التنبيه إلى أن التفسير هنا رمزي لا يُحمل على ظاهره، فبكاء التمساح في الحلم صورة ذهنية تعبّر عن معنى في نفس الرائي، ولا علاقة له بوقائع خارجية.
وفي الرموز العامة يُنظر إلى التمساح على أنه كائن قوي صبور يكمن بهدوء، ويرتبط عند بعضهم بالخصم المستتر أو بالخطر الصامت أو بالطبع الشديد الذي لا يظهر من أول نظرة. فإذا ظهر باكياً انكسرت هذه الصورة، وقد يوحي ذلك في بعض القراءات بأن وراء الشدة الظاهرة ضعفاً أو ألماً، أو بأن الرائي نفسه يشعر بأن في داخله جانباً صلباً يحمل حزناً لم يُعبَّر عنه. وهذه احتمالات تأمل لا أكثر، تختلف بحسب حال الرائي وما يعيشه.
ونُسب إلى ابن سيرين في باب الحيوانات المفترسة أنها قد تشير إلى أصحاب قوة وبأس، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ مقاربة في الدواب الضارية عموماً. وأما بكاء الحيوان في المنام فلا نعلم أن التمساح خاصة نال فيه تفصيلاً عندهم، إذ هو أقل ذكراً في كتب التعبير القديمة من الأسد والحية، ولذلك فكثير مما يُقال فيه قياس بالمماثلة. وقد اختلف المفسرون في هذه الأبواب، ولا يُراد بهذه القراءات اتهام أحد ولا تحديد شخص ولا الحكم على أحوال أحد.
ومن الاحتمالات أن يعبّر المشهد عن رغبة دفينة في البكاء عند الرائي نفسه، فيسقطها الذهن على كائن كبير قوي كأنه يقول إن القوة لا تمنع الحزن. وقد يعبّر عن تعاطف مع جانب كان يراه شديداً فاكتشف أنه يتألم. وقد يكون أيضاً انعكاساً لحاجة إلى التخفف من حمل ثقيل. وليس هذا الحلم نذيراً بسوء، بل هو في الغالب مرآة لحال القلب. والتفريق بين هذه المعاني يعتمد على ما شعر به الرائي أثناء المشهد.
وتتغير الدلالة بتفاصيل المشهد؛ فبكاء هادئ صامت يختلف عن نحيب عالٍ، والأول أقرب إلى حزن مكتوم والثاني إلى انفعال ظاهر. وإن كان التمساح قرب ماء صافٍ فالمعنى أقرب إلى نقاء الشعور، وإن كان في ماء عكر فهو أقرب إلى اختلاط المشاعر. ويهم كذلك هل اقترب الرائي ليواسيه أم بقي بعيداً، فالمواساة في الحلم قد تدل على قدرة على احتواء المشاعر، والبعد قد يدل على خوف من الاقتراب منها.
وللفتاة غير المتزوجة قد يتصل الحلم بمشاعر لم تجد طريقها إلى التعبير، كوحدة أو حيرة أو خوف من القرارات، وللمرأة المتزوجة قد يتصل بتعب مكتوم من أعباء كثيرة تحملها بصمت، وللرجل قد يتصل بحزن لم يُفصح عنه لأن المجتمع يتوقع منه الصلابة، وللحامل قد يكون صدى لتقلب المشاعر الذي يصاحب هذه الفترة وهو طبيعي ومفهوم. وهي كلها قراءات للتأمل لا للجزم.
ومن الدقائق التي تستحق الانتباه: هل بكى التمساح وحده أم مع غيره؟ هل كانت الدموع غزيرة أم قليلة؟ هل شعرت براحة بعد المشهد؟ فإن شعرت بسكينة فقد يكون الحلم تنفيساً، وإن شعرت بثقل فقد يكون دعوة إلى الاهتمام بنفسك. ويحسن أن تدوّن الحلم وتقرأه لاحقاً، فبعض ما يبدو غامضاً في لحظة الاستيقاظ يتضح بعد تهدئة. ولا يصح أن تُسقط هذه الدموع على أحد من الناس.
وعملياً يمكن أن يكون الحلم رسالة لطيفة من النفس تقول: لا بأس أن تحزن، ولا بأس أن تفصح عمّا بداخلك. فالبوح للمقربين، والكتابة، والصلاة والدعاء بخشوع، كلها وسائل تخفف الثقل. ومن المفيد أن يعتني الإنسان بنفسه كما يعتني بغيره، وأن يمنح قلبه فسحة. وإن استمر الحزن مدة طويلة فمن الحكمة أن يستشير مختصاً أو شخصاً موثوقاً. وهذا مما ينفع الإنسان في كل حال.
ويحسن أن نذكّر بأن الدموع في الأحلام كثيراً ما تتصل بالتطهر النفسي، فكم من إنسان استيقظ بعد منام باكٍ فوجد صدره أخف مما كان. وقد يكون هذا هو الدور الحقيقي للمشهد، أي أن يمنح النفس فرصة لتفرغ بعض ما فيها بصورة آمنة. فلا داعي لأن يخشى الرائي من هذا الحلم أو أن يرى فيه علامة سلبية، بل يمكنه أن يستقبله بلطف كما يستقبل المرء صديقاً يأتيه في ساعة ضعف.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي، ولا أن يُتخذ سبباً لاتهام أحد أو لتفسير أحوال الناس. والأجدر أن يتجه الرائي بالدعاء وحسن الظن بالله وأن يحسن الظن بنفسه كذلك. وما يأتي به الغد من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلا يطلع عليه بشر. فليهدأ الرائي وليمضِ في يومه بقلب مطمئن.
