قد يرى النائم في منامه تمساحاً يظهر على شاشة أو في فيلم أو في رسوم متحركة، أو يجد نفسه داخل مشهد من هذا النوع، فيستيقظ متعجباً من هذا الخلط بين الحلم والشاشة. وهذه صورة حديثة تماماً لم تكن موجودة في العصور التي ألّفت فيها كتب التعبير القديمة، ولذلك فهي تُقرأ من باب التأمل المعاصر لا من باب النقل. ولا بد من التنبيه إلى أن ما يلي قراءة رمزية لا تُحمل على ظاهرها، فالتمساح في الفيلم والرسوم صورة ذهنية مستمدة من مشاهدات اليقظة.
وفي الرموز العامة يُنظر إلى التمساح على أنه كائن قوي صبور يكمن بهدوء، ويرتبط عند بعضهم بالخصم المستتر أو بالخطر الصامت أو بالطبع الشديد. وأما ظهوره في الأفلام والرسوم فيجعله في إطار آخر هو إطار الحكاية والتخيل، إذ يتحول من كائن حقيقي إلى شخصية أو مشهد. وهذا التحول قد يوحي بأن ما يشغل الرائي أقرب إلى الخيال والتصور منه إلى الواقع، أي أن القلق قد يكون صورة مضخمة بفعل الانفعال. وهذه احتمالات تأمل لا غير.
ونُسب إلى ابن سيرين في باب الحيوانات المفترسة أنها قد تدل على أصحاب قوة وبأس، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ مقاربة في الدواب الضارية عموماً. ولا بد من الصراحة بأن الأفلام والرسوم المتحركة من الصور الحديثة الغائبة كلياً عن كتب التعبير القديمة، وأن التمساح نفسه أقل حضوراً فيها من الأسد والحية، فكل ما يُقال هنا تأمل معاصر وقياس بالمماثلة. وقد اختلف المفسرون في الأبواب القريبة اختلافاً واسعاً، ولا يُراد بهذه القراءات اتهام أحد.
والمعنى الأقرب نفسياً أن الشاشة تعبّر عن مسافة بين الرائي وما يراه، فهو مشاهد لا مشارك. فربما كان الحلم تعبيراً عن رغبة في النظر إلى مخاوفه من بعيد دون الانغماس فيها، أو عن شعور بأن ما يقلقه ليس واقعياً بقدر ما هو متخيَّل. وقد يكون ببساطة صدى لما شاهده الرائي في وقت قريب، فالذهن يستعيد ما يراه نهاراً ويعيد تركيبه ليلاً. وهذا أرجح الاحتمالات وأبسطها.
وتتغير الدلالة بالتفاصيل؛ فإن كان الفيلم وثائقياً هادئاً فالمعنى أقرب إلى تأمل ومعرفة، وإن كان فيلم رعب فهو أقرب إلى توتر مشاهد. وإن كان رسوماً مرحة فالمعنى أقرب إلى خفة، وإن كان الرسم لطيفاً فالأمر أبعد عن الرهبة. وإن دخل الرائي في المشهد فقد يعبّر ذلك عن انخراط في أمر ما، وإن بقي متفرجاً فعن مسافة آمنة. وشعور الرائي هو أهم عنصر في الفهم.
وللفتاة غير المتزوجة قد يتصل الحلم بمشاهد تأثرت بها أو بأفكار عن المستقبل تتخذ شكل قصة، وللمرأة المتزوجة قد يتصل بمشاهدات شاركت فيها مع أسرتها أو بتفكير في شؤون يومية، وللرجل قد يتصل بتوتر مشاهدات أو أخبار أو حكايات، وللحامل قد يكون صدى لمشاهدات اليوم وتأثر المشاعر في هذه المرحلة. وهي قراءات للتأمل لا للجزم، ولا تحمل شيئاً من الغيب.
ومن الدقائق التي تستحق الانتباه: هل شاهدتَ مثل هذا الفيلم قبل النوم؟ هل كان الرسم لطيفاً أم مخيفاً؟ هل كان معك أحد؟ هل ضحكتَ أم خفتَ؟ فإن تذكرتَ أنك شاهدتَ شيئاً مشابهاً قبل النوم فالأقرب أن الحلم مجرد صدى، وهذا من أسباب الاطمئنان. ولا تُفسّر هذه التفاصيل بأحداث ستقع ولا بأشخاص. والأجدر أن تدوّن الحلم وتقرأه بخفة.
وعملياً يمكن أن يكون الحلم تذكيراً بأن ما نشاهده قبل النوم يؤثر في ما نراه فيه، فالمشاهد المخيفة أو المثيرة تترك أثراً في الذهن. ومن المفيد أن نختار ما نشاهده في آخر النهار، وأن نمنح عقولنا وقتاً للهدوء قبل النوم، وأن نذكر الله ونتوضأ إن شئنا ونأوي إلى فراشنا بسكينة. وهذه عادات بسيطة تخفف من الأحلام المزعجة وتمنح نوماً أهدأ.
ومن اللطيف أن نقول إن الأحلام التي تتخذ صورة الشاشة تذكّرنا بأن الأحلام نفسها نوع من العرض الداخلي، وأن النفس تعرض على صاحبها ما اختزنته. فلا داعي للمبالغة في تفسير ما هو في الأغلب صدى بصري. ومن أحسن الاستقبال لهذه الصور كان أسلم صدراً وأهدأ نفساً.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي، وهو في هذه الصورة الحديثة أبعد ما يكون عن الجزم. والأجدر أن يتجه الرائي بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يأخذ بالأسباب المعقولة. وما يأتي به الغد من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلا يعلمه إلا هو. فليهدأ الرائي وليمضِ في يومه مطمئناً.
