حين يرى النائم تمساحاً كامناً في الماء لا يظهر منه إلا جزء يسير، يتبادر إلى ذهنه معنى الخطر الكامن، أي الأمر الذي يترقب بصمت ولا يكشف عن نفسه. وهذه من أكثر الصور ارتباطاً بالتمساح في الذهن الجمعي، ولذلك تتكرر في الأحلام عند من يمرون بحالة قلق عام أو توجس من المجهول. ولا بد من التذكير بأن ما نعرضه قراءة رمزية لا تُحمل على ظاهرها، فالخطر الكامن في الحلم صورة لشعور الرائي، وليس إخباراً عن واقعة، ولا يجوز أن يُنظر به إلى أحد بسوء.
وفي الرموز العامة يُنظر إلى التمساح على أنه كائن قوي صبور يكمن تحت السطح، ولهذا ارتبط عند بعضهم بالخصم المستتر أو بالخطر الصامت أو بالطبع الشديد الخفي. والعنصر الأهم في هذه الصورة هو الكمون، أي أن يكون الشيء موجوداً لكنه غير ظاهر، وأن يقترن حضوره بالسكون. ومن هنا كان الحلم أقرب إلى تعبير عن قلق مبهم لا يعرف صاحبه مصدره، فيعطيه الذهن صورة ملموسة. وهذا من أساليب النفس في تحويل المجرد إلى محسوس.
ونُسب إلى ابن سيرين في باب الحيوانات المفترسة أنها قد تدل على أصحاب بأس وقوة، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ مقاربة في الدواب الضارية عموماً. ولا بد من الصراحة بأن التمساح أقل حضوراً في كتب التعبير القديمة من الأسد والحية، فكثير مما يُقال في الخطر الكامن إنما هو قياس بالمماثلة على طبع الحيوان المعروف. وقد اختلف المفسرون في هذه الأبواب اختلافاً واسعاً، فلا يصح الجزم بشيء. وهذه قراءات يراها بعضهم ولا يُراد بها اتهام أحد ولا تعيين شخص أو جهة.
ومن الاحتمالات أن يكون الحلم تعبيراً عن مرحلة يشعر فيها الرائي بأن أموراً كثيرة لم تُحسم بعد، فيظن أن وراء السطح الهادئ شيئاً لا يعرفه. وقد يكون انعكاساً لخبرات سابقة جعلته أكثر حذراً. وقد يكون تعبيراً عن حاجة إلى فحص جوانب من حياته لم ينظر فيها منذ مدة. وهذا كله يجعل من الحلم دعوة إلى التبصر لا إنذاراً، فالخطر الكامن في الحلم هو الخوف من المجهول أكثر منه خطراً بعينه.
وتتغير الدلالة بالتفاصيل؛ فإن كان الماء عميقاً عكراً فالغموض أشد، وإن كان صافياً فالأمر أقرب إلى الوضوح. وإن رأى الرائي التمساح من بعيد فالقلق أخف، وإن كان على بعد خطوات فقد يشير إلى قلق قريب من الاهتمام اليومي. وإن بقي ساكناً حتى نهاية الحلم فقد يعبر عن خوف لم يتحول إلى فعل، وإن تحرك فقد يعبر عن تحول القلق إلى انفعال. ويبقى شعور الرائي هو الحكم الأهم في تقدير المعنى.
وللفتاة غير المتزوجة قد يتصل الحلم بقلق عام من المستقبل أو من قرار قادم أو من شعور بأن شيئاً غير واضح يلوح في الأفق، وللمرأة المتزوجة قد يتصل بتوجس طبيعي مما يخفيه الغد على أسرتها، وللرجل قد يتصل بما يحمله من مسؤوليات تجعله يحسب لكل أمر حساباً، وللحامل قد يكون صدى لقلق الانتظار الطبيعي الذي تمرّ به كثيرات. وهي قراءات تأمل لا أحكام، ولا تحمل نذيراً بشيء.
ومن الدقائق التي تستحق الانتباه: هل كانت هناك علامات تنبه إلى وجود التمساح كالفقاعات أو التموجات؟ هل رأيته أولاً ثم اختفى؟ هل كنت قرب الماء أم بعيداً؟ فالتموج الخفيف قد يرمز إلى أثر صغير لقلق لم يتضح، والاختفاء قد يرمز إلى أمر يأتي ويذهب. ولا تربط التفاصيل بأشخاص أو أحداث، فالنفس تصنع صورها من مواد متفرقة. والأفضل أن تدوّن ما رأيت وتقرأه لاحقاً بهدوء.
وعملياً يمكن أن يكون الحلم دعوة إلى تسمية المخاوف: ما الأمر المبهم الذي يقلقني؟ هل هو عمل أو علاقة أو صحة أو مستقبل؟ فإذا سمّيته فقد خفّ ثقله. ومن المفيد أن تستعد بما تستطيع من الأسباب المعقولة، ثم تترك الباقي بطمأنينة. فالحذر الواعي نعمة، والخوف الدائم عبء. والتوازن بينهما يمنح النفس سكينة. وهذه معانٍ نفسية بسيطة نافعة لكل أحد في كل حال.
ويحسن أن نذكّر بأن الإنسان قد يرى الخطر الكامن في أحلامه حتى في أوقات الاستقرار، لأن النفس تحب أن تحتاط لما لا تعرفه. فلا ينبغي أن يُعدّ هذا الحلم دليلاً على أن في الحياة ما يدعو إلى الخوف. بل هو غالباً أثر من آثار الفكر والانشغال. وكلما نام الإنسان نوماً هانئاً وأحسن إدارة يومه، قلّت هذه الصور واتخذت أشكالاً أخف.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي، ولا أن يُتخذ سبباً للشك في أحد أو للخوف من الغد. والأجدر أن يتجه الرائي بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يأخذ بالأسباب المعقولة. وما يأتي به الغد من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلا يعلمه إلا هو. فليهدأ الرائي وليمضِ في يومه مطمئناً.
