من المشاهد التي تحمل إحساساً بالترقب أن يرى النائم تمساحاً يتحرك ببطء شديد، يزحف على اليابسة أو يطفو على الماء بخطى متمهلة وكأن الزمن توقف حوله. وهذه الصورة تثير توتراً هادئاً، فالبطء يعطي الشعور بأن شيئاً سيحدث لكن لا أحد يعرف متى. وهي رمز لا واقع، لا تدل على أمر بعينه. وما يُقال حولها من تأويلات اجتهادات متنوعة نذكرها بحذر، فالحلم قد يكون صدى لتوتر يومي لا أكثر.
البطء في الرموز يوحي بالتمهل والصبر والتأجيل والتدرج، وارتبط في وجدان الناس بالحكمة أحياناً وبالتراخي أحياناً أخرى. فالتمساح البطيء قد يعبّر عن أمر يتقدم تدريجياً في حياة الرائي، كهمّ يكبر شيئاً فشيئاً أو موقف يتطور على مهل. وبعضهم يرى فيه رمزاً لقوة صبورة لا تتعجل، تعرف متى تتحرك، وفي ذلك درس في التروّي. وقد يراه آخرون تعبيراً عن شعور الرائي بأن الأمور تسير ببطء شديد في حياته وهو ينتظر نتيجة. ويتحدد المعنى بما تشعر به أمام هذا المشهد.
نُسب إلى ابن سيرين أن بطء الحركة في الرؤيا قد يدل على تأخر الأمر أو تدرجه، وأن ما يتقدم ببطء قد يكون أمره أخف أو أبعد زماناً. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مجيء الوحش على مهل قد يرمز إلى أمر قادم لكنه غير عاجل. ونقرّ بأن التمساح أقل ذكراً في الكتب القديمة من الأسد والحية، فهذه الأقوال تُنقل بالقياس العام على باب الحركة والوحوش. واختلف المفسرون في ذلك، فمنهم من رأى البطء تخفيفاً ومنهم من رآه ترقباً. ولا تُوجَّه هذه المعاني إلى أحد من الناس.
وتتبدل الدلالة بحسب اتجاه الحركة: فإن كان يتجه نحو الرائي ببطء فقد يدل على أمر يقترب تدريجياً ويمكن الاستعداد له، وإن كان يبتعد فقد يدل على زوال تدريجي لهم ما، وإن كان يدور حول نفسه فقد يدل على تردد وحيرة. وإن كان على اليابسة فالبطء أظهر، وإن كان في الماء فقد يدل على قوة هادئة. وإن كان الرائي هادئاً فالأمر محتمل، وإن كان متوتراً فقد يدل على ضغط الانتظار. وكلها قرائن تقريبية.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر الحلم عن انتظار طويل لنتيجة كدراسة أو عمل أو قرار أسري، وما يرافقه من قلق صامت. وللمرأة المتزوجة قد يرتبط بأمور تتحرك ببطء في البيت كإصلاح أو ترتيب أو ظرف مالي. وللحامل قد يعبّر عن بطء الأيام وانتظار الموعد، فتُنصح بالسكينة والصبر وبالراحة. وكلها رموز عامة لا تدل على أمر بعينه. وتبقى الطمأنينة أولى من الانشغال بالتأويل.
وللرجل قد يرتبط الحلم ببطء مشروع أو معاملة أو ترقية أو سداد دين، وما يصحب ذلك من رغبة في الإسراع. وللتاجر قد يوحي بسوق بطيء أو مدفوعات متأخرة أو صفقة تتمهل. وقد يُقرأ الحلم تذكيراً بأن بعض الأمور تحتاج وقتاً، وأن التعجل قد يضر. ولا يعني ضماناً ولا خسارة. والاستمرار في العمل المنظم مع الصبر هو الطريق المعتاد.
ومن التفاصيل المفيدة: هل كانت حركته منتظمة أم متقطعة؟ فالمتقطعة قد توحي بتردد، والمنتظمة بثبات. وهل كانت عيناه موجهتين إليك؟ وهل كان البطء مصحوباً بصمت المكان؟ فالصمت قد يزيد من الإحساس بالترقب. وهل كانت هناك ساعة أو ظل يتحرك؟ فقد يرمز إلى الزمن. وهل كنت قادراً على الابتعاد بسهولة؟ فالقدرة على الابتعاد قد تدل على أن لديك وقتاً كافياً للتدبير. وكلها قرائن ظنية فحسب.
وقراءة تأملية تنظر إلى البطء بوصفه فضيلة، فالتمساح من أقدم الكائنات وأطولها عمراً لأنه يوفر طاقته ولا يندفع. وبهذا المعنى قد يكون الحلم دعوة للاقتداء بالتمهل وحسن اختيار اللحظة. فمن تأنى في أمره وأحكم خطواته غالباً ما يتجنب كثيراً من الأخطاء. وهذه قراءة مشجعة تلائم من يميل إلى الجانب الإيجابي من الصور.
والجانب النفسي أن الأحلام ذات الإيقاع البطيء والترقب ترتبط عادة بالقلق الانتظاري، أي القلق من شيء متوقع غير محدد الموعد. ومن المفيد أن يحوّل الإنسان القلق إلى خطوات ملموسة، فيحدد ما يمكنه فعله اليوم ويترك الباقي للوقت. وتنفع تمارين التنفس وتنظيم الجدول اليومي وممارسة المشي. كما يفيد الحديث مع من يثق به. وإذا ازداد القلق وأثّر في الحياة اليومية فلا حرج من طلب مساعدة مختص. فالصبر عبادة وراحة.
وخاتمة القول أن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني لا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في عمل أو مال أو زواج أو علاقة. والغيب علمه عند الله وحده. فاستعن بالدعاء وأحسن الظن بالله، وامضِ في أمورك بتأنٍّ وصبر وطمأنينة.
