قد يرى صاحب مسؤولية عامة أو منصب قيادي تمساحاً في منامه، فيستيقظ متسائلاً عن معنى هذه الصورة الغريبة التي اقتحمت ليله. وهذا الحلم يمكن أن يراه أي شخص يحمل عبء القرار، سواء كان مسؤولاً كبيراً أو مديراً لفريق صغير أو رب أسرة، لأن الشعور بالمسؤولية يتشابه في جوهره مهما اختلف حجمه. وينبغي التنبيه من البداية إلى أن ما نعرضه هنا قراءة رمزية نفسية لا علاقة لها بأي شأن سياسي أو بأي وقائع حقيقية. فالمنام صورة ذهنية تستعير من الطبيعة رموزاً للتعبير عن الشعور الداخلي، ولا تُحمل على ظاهرها.
وفي الرموز العامة يُنظر إلى التمساح على أنه كائن يجمع بين القوة والصبر والكمون، يتربص في الماء بهدوء ولا يبدي ما يخفيه. ولذلك ربطه بعض المفسرين بالخصم المستتر أو بالخطر الذي يراقب في صمت أو بالقوة الغليظة التي تظهر فجأة. وقد يعبّر في قراءات أخرى عن الحذر المطلوب ممن يحمل أمانة كبيرة، وعن الإدراك بأن بعض الأمور لا تُرى على السطح. وهذه المعاني ليست حتمية ولا ملزمة، فالرمز الواحد يتسع لتأويلات عدة تتنوع بتنوع حال صاحب الحلم وشعوره عند الرؤية.
ونُسب إلى ابن سيرين أن الحيوانات الضارية في المنام قد تشير إلى أصحاب قوة وبأس، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى نحو ذلك في الدواب المفترسة عموماً. غير أن التمساح أقل ذكراً في كتب التعبير القديمة من الأسد والحية، فكثير مما يُقال فيه قياس بالمماثلة لا نص صريح. وقد اختلف المفسرون في هذه الأبواب، ولا ينبغي أن يُعدّ أي قول منها حكماً قاطعاً. وهي مجرد قراءات رآها بعضهم، ولا يُقصد بها اتهام أحد ولا تحديد شخص أو جهة بعينها، فالحلم صورة في نفس الرائي لا إشارة إلى أحد في الواقع.
وإذا نظرنا إلى حال صاحب المسؤولية، فقد يعكس التمساح إحساساً بأن هناك تحديات صامتة لا تتضح كل ملامحها، أو ضغوطاً متراكمة تترقب لحظة الظهور. وقد يرمز كذلك إلى الحاجة إلى الصبر وضبط الانفعال عند التعامل مع المواقف الصعبة، فالقدرة على الانتظار بهدوء صفة تُحسب لصاحب القرار لا عليه. وربما كان الحلم صدى للإرهاق من كثرة الالتزامات وتعدد الأطراف. ولا يصح أن يُستنتج من ذلك شيء عن مستقبل منصب أو مسؤولية، فهذا من قبيل الغيب الذي لا يُجزم به.
وللسياق أثر عميق في المعنى؛ فتمساح كبير ساكن في ماء صافٍ يختلف عن تمساح يندفع في ماء عكر، والأول أقرب إلى قلق هادئ يمكن النظر فيه، والثاني أقرب إلى توتر داخلي ملحّ. وإذا كان التمساح بعيداً على الضفة فالأمر أخف من كونه قريباً من الرائي. ويهم كذلك شعور الرائي: هل كان ثابتاً مطمئناً أم مرتبكاً خائفاً. فالثبات في الحلم قد يُقرأ على أنه تماسك داخلي، والارتباك قد يُقرأ على أنه حاجة إلى الراحة والتخفيف.
ومن التفاصيل التي تستحق الانتباه المكان الذي ظهر فيه التمساح: أكان في بيت مألوف أم في مكان عمل أم قرب نهر. فاقترانه بمكان العمل قد يدل على ارتباط الهمّ بالمهام اليومية، واقترانه بالبيت قد يدل على تداخل الضغوط بالحياة الأسرية. وكذلك عدد التماسيح، فالواحد قد يشير إلى همّ محدد، والكثرة قد تشير إلى تعدد الأعباء. ويحسن أن يدوّن الرائي ما رأى فور الاستيقاظ، ثم يتأمله بهدوء بعيداً عن التسرع في التأويل.
وللحلم بعد نفسي وعملي واضح، فقد يكون دعوة لطيفة إلى مراجعة النفس: ما الذي يقلقني بالفعل؟ هل أحتاج إلى تفويض بعض المهام وإلى الاستماع لأهل الرأي والخبرة؟ إن تسمية الهمّ تُنقص من هيبته، وإن الاستشارة تخفف الثقل، وإن الراحة المنتظمة تعيد التوازن للقلب والعقل. وتذكُّر أن العمل الجماعي أقوى من الحمل المنفرد يمنح طمأنينة. وليكن الحلم باعثاً على الحكمة والتأني وحسن الإصغاء لا على الخوف أو سوء الظن بأحد.
ومما يحسن التنبيه إليه أن الأحلام التي تدور حول القوة والمسؤولية كثيراً ما تكون انعكاساً لحديث النفس في النهار، فمن اعتاد حمل الهمّ العام يرى في منامه صوراً تشبه ما يشغله في يقظته. وكلما زاد الإرهاق وقلّ النوم زادت غرابة الصور وحدّتها. فإذا استعاد الإنسان راحته وتوازنه خفّت هذه المشاهد من تلقاء نفسها في الغالب. وهذا يعيد الحلم إلى حجمه الطبيعي، فيراه الرائي إشارة إلى حاجة بشرية بسيطة إلى الهدوء والرعاية، لا نذيراً بشيء مما يخشاه.
وفي الختام نؤكد أن التعبير اجتهاد بشري ظني يصيب ويخطئ، فلا يجوز أن يُتخذ سبباً لقرار حقيقي ولا أن يُوجَّه به الاتهام أو الشك نحو أحد من الناس. والأجدر أن يتجه الإنسان بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يؤدي واجبه بإخلاص وأمانة. وما يحمله الغد من أحوال لا يعلمه إلا الله وحده، ولا سبيل لأحد إلى معرفته من خلال منام. فليهدأ الرائي وليمضِ في مسؤولياته بقلب مطمئن وثقة بالله.
