من الصور الطريفة والمحيّرة أن يرى النائم تمساحاً يبتسم، وقد انفرج فمه عن شكل يشبه الابتسامة، فيتساءل الرائي هل هذه ابتسامة ودّ أم ابتسامة غموض. وهذا الحلم يجمع بين رمز القوة الصامتة وبين تعبير بشري ألفناه في الوجوه، فيخرج منه مشهد يختلط فيه الاطمئنان بالحذر. وهو ليس نادراً عند من يمرون بحالة من الترقب أو الحيرة تجاه أمر لا يعرفون هل هو خير أم لا. ويجب التنبيه من البداية إلى أن التفسير هنا رمزي لا يُحمل على ظاهره، فالابتسامة صورة ذهنية لا تعبير حقيقي.
وفي الرموز العامة يُنظر إلى التمساح على أنه كائن قوي هادئ الظاهر يكمن في الماء بصبر، ويرتبط عند بعضهم بالخصم المستتر أو بالخطر الذي لا يُرى أو بالطبع الشديد الذي يتوارى خلف سكون. والابتسامة في المنام قد تُقرأ بأكثر من وجه؛ فقد تدل على لطف وراحة، وقد تدل أحياناً على ظاهر هادئ يخفي ما وراءه. ومن هنا جاء الازدواج في هذا المشهد، فهو يجمع بين الأمل والتحفظ. وهذه معانٍ احتمالية تختلف بحسب شعور الرائي وحاله.
ونُسب إلى ابن سيرين في باب الحيوانات المفترسة أنها قد تدل على أصحاب قوة وبأس، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى مثل ذلك في الدواب الضارية عموماً. ويجدر أن نقول بصراحة إن التمساح أقل حضوراً في كتب التعبير القديمة من الأسد والحية، فكثير مما يُقال عنه قياس بالمماثلة، أما ابتسامته فلا نعلم أنهم فصّلوا فيها. وقد اختلف المفسرون في هذه الأبواب، فلا يجوز الجزم بشيء. وهذه قراءات لبعضهم فحسب، لا يُراد بها اتهام أحد ولا الحكم على نوايا أحد.
ومن الاحتمالات أن تكون الابتسامة تعبيراً عن شعور الرائي بالألفة تجاه أمر كان يهابه، أو عن تصالح داخلي مع قلق قديم. وقد تكون كذلك انعكاساً لحيرة أمام موقف يبدو ودّياً لكن النفس لم تطمئن إليه تماماً. وقد تعبّر ببساطة عن جانب من الطبع الذي يحمل قوة ولطفاً معاً. والتمييز بين هذه الاحتمالات يعود إلى إحساس الرائي في الحلم، فمن شعر بالراحة فالمعنى أقرب إلى الاطمئنان، ومن شعر بالتوجس فهو أقرب إلى الحذر.
وتتغير الدلالة بالتفاصيل؛ فابتسامة تمساح صغير هادئ في ماء صافٍ ليست كابتسامة تمساح ضخم في ماء عكر، والأولى أقرب إلى الخفة والثانية أقرب إلى الغموض. ويؤثر قرب التمساح وبعده، وهل كان ينظر إليك أم يلتفت بعيداً، وهل كانت عيناه هادئتين. ومن المفيد أن يتذكر الرائي أيضاً هل كانت الابتسامة تتبعها حركة أم بقي ساكناً. فالسكون مع الابتسامة قد يدل على هدوء، والحركة قد تدل على ترقب.
وللفتاة غير المتزوجة قد يتصل الحلم بحيرتها تجاه ظاهر ودّي لا تعرف كل ما وراءه من أحوال، دون أن يعني ذلك أن أحداً بعينه كذلك، وللمرأة المتزوجة قد يتصل بتأمل في جوانب من الحياة تبدو هادئة ولكنها تحتاج إلى فهم، وللرجل قد يتصل بتوازن بين الحزم واللين في التعامل، وللحامل قد يعكس مزيجاً من الفرح والتحفظ طبيعياً في هذه المرحلة. وهي قراءات للتأمل وليست أحكاماً.
ومن الدقائق المفيدة: هل كانت الابتسامة واسعة أم خفيفة؟ هل رافقها صوت أم صمت؟ هل كان الرائي يبتسم بدوره؟ فإن ابتسم الرائي في الحلم فقد يدل ذلك على قدرة على التعامل بهدوء مع ما يخشاه. وإن كان متوتراً فقد يدل على صعوبة في الاطمئنان. ولا يصح أن تُسقط الابتسامة على وجوه الناس في الواقع، فكل ابتسامة بشرية تستحق حسن الظن لا التشكيك. ويكفي الاحتفاظ بالمعنى العام.
وعملياً يمكن أن يكون الحلم تذكيراً بأن الظاهر والباطن قد يختلفان في بعض المواقف، وأن الحكمة في حسن الظن مع اليقظة المعتدلة. فلا ينبغي أن نتهم الناس بلا دليل، ولا أن نغفل عن الحذر المعتاد. وهذا توازن نفسي عملي بسيط يخفف القلق ويحمي من التسرع. ومن المفيد أن يتحدث الرائي مع من يثق بهم، وأن يتخذ قراراته بالتأني والاستشارة.
ومما يُلاحظ أن الابتسامة من أكثر الإشارات التي يختلف الناس في فهمها، فهي في اليقظة قد تكون صادقة وقد تكون مجاملة، وفي المنام تحمل الاحتمالين معاً. ولهذا لا يحسن أن يتعجل الرائي في إصدار حكم على معناها، بل يكفيه أن يلتقط منها الإحساس العام ويتركها تمرّ. فالأحلام كثيراً ما تكون طريفة وبسيطة، وليس كل ما فيها حاملاً لرسالة عميقة. ومن أحسن قراءتها بخفة وابتسامة كان أسلم نفساً من الغارق في تحليلها.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي، ولا أن يُتخذ سبباً لسوء الظن بأحد أو لتفسير ابتسامات الناس بمعانٍ خفية. والأجدر أن يتجه الرائي بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يأخذ بالأسباب. وما يأتي به الغد من شأن الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلا يعلمه أحد من الخلق. فليمضِ الرائي في يومه مطمئناً.
