يرتبط التمساح في ذهن كثير من الناس بصورة الخصم القوي، فإذا رآه أحدهم في منامه سأل نفسه هل يشير ذلك إلى عدو قوي في حياته. وهذا سؤال مفهوم لأن للتمساح هيبة وصمتاً وبأساً، لكن الجواب يحتاج إلى حذر شديد. فالقراءة الرمزية الهادئة تختلف كثيراً عن الظن الجازم، ولا يصح أن يتحول الحلم إلى سبب لاتهام أحد من الناس. والتمساح هنا صورة ذهنية تعبّر عن معنى القوة المترقبة، وقد تكون العداوة في هذا المعنى مجرد شعور بالتحدي أو الضغط أو الخوف من أمر غير محدد.
وفي الرموز العامة يُنظر إلى التمساح على أنه كائن قوي صبور يكمن تحت الماء، لا يتعجل ولا يُظهر ما بداخله، ثم يتحرك حين تحين اللحظة. ومن هنا ربطه بعضهم بصورة الخصم القوي المستتر، وهو معنى مستمد من طبع الحيوان نفسه لا من نص صريح. وقد يعبّر في الحلم عن شعور الرائي بأن في حياته تحدياً كبيراً لم تتضح معالمه بعد، أو بأن هناك ضغطاً يراقبه من بعيد. وقد يكون مجرد تعبير عن نفسية متوجسة بطبعها. وكلها احتمالات تأمل لا غير.
ونُسب إلى ابن سيرين في باب الحيوانات المفترسة أنها قد تدل على رجل ذي بأس وقوة، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى نحو ذلك في الدواب الضارية عموماً، وقد فهم بعضهم من ذلك أن الحيوان المفترس قد يرمز إلى منافس قوي. ولا بد من الصراحة بأن التمساح أقل حضوراً في كتب التعبير القديمة من الأسد والحية، فكثير مما يُقال عنه قياس بالمماثلة. وقد اختلف المفسرون في هذه الأبواب اختلافاً واسعاً، ولا يُراد بهذه القراءات اتهام أحد ولا الإشارة إلى شخص معين أو فئة معينة.
والذي ينبغي التركيز عليه أن المعنى المتصل بالعدو القوي في الأحلام غالباً ما يكون أقرب إلى مشاعر الرائي منه إلى شخص حقيقي. فالإنسان الذي يمرّ بتحدٍّ في عمله أو دراسته أو حياته قد يرى هذا التحدي في صورة كائن ضخم ساكن. وقد لا يكون هناك عدو أصلاً، وإنما هو خوف من الفشل أو من المجهول أو من منافسة. ولذلك فإن الأسلم أن يسأل الرائي نفسه: ما الأمر الكبير الذي أخشاه؟ وليس: من الشخص الذي يكرهني؟
وتتغير الدلالة بالتفاصيل؛ فإن كان التمساح بعيداً هادئاً فالأمر أخف، وإن كان قريباً متحفزاً فقد يدل على ضغط أشد في الشعور. وإن غلبه الرائي أو ابتعد عنه بسلام فقد يدل على قدرة على تجاوز التحدي، وإن عجز فقد يدل على حاجة إلى مزيد من الاستعداد والاستشارة. ويهم كذلك صفاء الماء، فالصافي أقرب إلى وضوح التحدي، والعكر أقرب إلى غموضه. ويبقى شعور الرائي هو أهم عنصر في التقدير.
وللفتاة غير المتزوجة قد يتصل الحلم بمنافسة أو ضغط أو خوف من المجهول في مرحلة جديدة، وللمرأة المتزوجة قد يتصل بتحديات البيت والمسؤوليات دون ربطه بأحد، وللرجل قد يتصل بمنافسة العمل وهموم المسؤولية، وللحامل قد يتصل بقلق طبيعي من المرحلة المقبلة. وهي كلها قراءات للتأمل لا للحكم، ولا يصح أن يُستنتج منها أن في الواقع من يعادي الرائي. فالأصل في الناس السلامة وحسن الظن حتى يظهر خلاف ذلك بدليل واضح في اليقظة لا في المنام.
ومن الدقائق التي تستحق الانتباه: هل كان التمساح وحده أم ظهر معه أحد؟ هل كان يتجه نحو الرائي أم نحو غيره؟ هل كان الرائي يحمل شيئاً للدفاع أو يمدّ يده للتفاهم؟ فهذه التفاصيل تعبّر عن أسلوب الرائي في التعامل مع التحديات: بالمواجهة أو بالتجنب أو بالتفاهم. وتذكّر أن هذه الصور لا تدل على أشخاص معينين، وأن الأسماء والوجوه التي قد تظهر في الحلم تأتي من الذاكرة بلا قصد ولا دلالة.
وعملياً يمكن أن يكون الحلم دعوة إلى التخطيط الهادئ لا إلى الخوف: أن يراجع الإنسان استعداده لما يواجهه، وأن يطلب المشورة من أهل الخبرة، وأن يحافظ على سلامة قلبه من الحقد والظن السيئ. فالتحدي الحقيقي يُعالج بالعمل والصبر لا بالتخمين. ومن المفيد أن يتحدث الرائي عن قلقه مع شخص ثقة، وأن يتعلم من التمساح الصبر والتروّي في اتخاذ القرارات. فهذه الصفات تنفع الإنسان في كل زمان.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي، ولا أن يُجعل مبرراً لعداوة أحد أو سوء الظن به. والأجدر أن يتجه الرائي بالدعاء وحسن الظن بالله وأن يحرص على صفاء قلبه. وما يخبئه الغد من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلا يعلمه أحد من الخلق. فليطمئن الرائي وليمضِ في يومه بثقة وسكينة.
