يرى بعض الناس في منامهم تمساحاً تسيل من عينيه دموع، فيمتزج الاستغراب بالشفقة. وهذه صورة غريبة، لأن التمساح في أذهاننا كائن صلب لا يُتوقع منه البكاء. وهي مرتبطة في الثقافة الشعبية الحديثة بعبارة معروفة تُقال عن البكاء غير الصادق، وهي مجرد مثل متداول بين الناس في العصر الحديث لا أكثر. ومن الطريف أن بعض الزواحف تفرز سوائل حول العينين فعلاً. والحلم رمز لا واقع، لا يدل على شيء محدد. وما يُقال في معناه اجتهادات متفاوتة نعرضها بحذر.
الدموع في الرموز تعبّر عن الانفعال والتطهر والحزن أو الفرح الشديد وعن حاجة النفس إلى التفريغ. وفي حالة التمساح تجتمع الدموع، وهي رمز الرقة، مع الصلابة، فتنشأ صورة المتناقضات. وقد يعبّر ذلك عن مشاعر مختلطة لدى الرائي، كأن يشعر بالقوة والضعف معاً، أو يظهر صلباً أمام الناس وهو مثقل في داخله. وبعضهم يرى فيه رمزاً لمظهر لا يطابق الباطن، على نحو ما يُقال في المثل الشعبي الحديث، لكن دون أن يُسقط ذلك على أحد من الناس. وقد يرى آخرون في الدموع تطهراً إيجابياً يخفف الثقل الداخلي.
نُسب إلى ابن سيرين أن البكاء في الرؤيا قد يدل على فرج وراحة إن كان بلا صراخ، وقد يدل على هم إن كان بصوت عال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن بكاء ما يُرى من الحيوان قد يعبّر عن حال صاحبه أو من يرمز إليه. ويجب أن نبيّن بصراحة أن التمساح أقل ذكراً في الكتب القديمة من الأسد والحية، وأن دموعه بخصوصها لا ذكر لها، فالقراءات هنا قياس على باب البكاء وباب الوحوش. واختلف المفسرون في ذلك. والمثل الشائع عن دموع التمساح قول حديث متداول لا علاقة له بالكتب القديمة. ولا تُوجَّه هذه المعاني إلى أحد من الناس.
وتتبدل الدلالة بحسب هيئة البكاء: فإن كانت الدموع هادئة صافية فقد تدل على راحة وتطهر، وإن كانت غزيرة فقد تدل على انفعال كبير، وإن كان التمساح ينظر إليك وهو يبكي فقد يدل على رغبة في التواصل أو في الاعتذار. وإن بدا مرتاحاً بعد البكاء فقد يدل على انفراج، وإن بقي ثقيل الحال فقد يدل على همّ مستمر. وإن كنت أنت من بكى بجواره فقد يدل على مشاركة وجدانية مع قوة كنت تظنها قاسية. وتبقى المشاعر هي الأصل.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر الحلم عن مشاعر مكبوتة تحتاج إلى تفريغ، أو عن مشاعر ممزوجة تجاه موقف تحاول فيه الظهور بمظهر قوي. وللمرأة المتزوجة قد يرتبط بتحمل أعباء كثيرة بصلابة ظاهرة مع رغبة في أن يُلتفت إلى تعبها. وللحامل قد يعبّر عن تقلبات المشاعر الطبيعية في هذه المرحلة، فتُنصح بالرفق بنفسها وبالسكينة. وكلها رموز عامة ظنية لا تدل على حدث.
وللرجل قد يدل الحلم على كبت مشاعر وراء مظهر الصلابة، فكثير من الرجال يتعلمون إخفاء الحزن. وللتاجر قد يرتبط بضغوط يخفيها خلف ثقة ظاهرة. وقد يُقرأ الحلم دعوة إلى أن يسمح الإنسان لنفسه بالتعبير عن مشاعره بطريقة صحية، فلا ضعف في ذلك. ولا يخبر الحلم بشيء مما سيقع. وليس في الحلم ما يبرر الشك في صدق أي إنسان من الناس. فالحكم على صدق الناس لا يُبنى على المنامات أبداً.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل كانت الدموع حقيقية في الحلم أم بدت كقطرات ماء فحسب؟ وهل شعرت بأن بكاء التمساح صادق أم تمثيلي؟ فهذا الشعور هو في الغالب إسقاط من مخاوفك على الصورة لا حكم على أحد. وهل كان صوت بكاء مسموعاً؟ فالبكاء الصامت قد يدل على حزن مكتوم. وهل أعقبه شيء مثل الابتسامة أو الأكل؟ وهل كان حوله شخص يواسيه؟ فوجود المواساة قد يدل على أن الدعم قريب. وهي قرائن ظنية.
وقراءة تأملية أخرى ترى أن الحلم يعلّمنا ألا نحكم على الكائنات بمظهرها وحده، فقد تكون القوة الظاهرة مصحوبة برقة خفية. وهذا يدعو إلى حسن الظن بالناس وعدم تصنيفهم بقوالب جامدة. وهو معنى جميل يقابل المثل الشعبي المتشائم، ويفتح باباً للتسامح. ومن المفيد أن يتذكر الرائي أن من يظهر قاسياً قد يحمل حزناً لا يعلمه إلا الله، وأن الأحكام على القلوب لا تُطلق بسهولة.
والجانب النفسي أن صورة الدموع في الأحلام ترتبط غالباً بحاجة إلى التفريغ العاطفي. ومن المفيد أن يجد الإنسان قنوات صحية للتعبير كالكتابة والحديث مع صديق أمين والعبادة الهادئة والدعاء. وكتمان المشاعر المستمر يتعب النفس والجسد. وإن لم يستطع الإنسان التعبير بسهولة فلا بأس بطلب مساعدة مختص. كما أن العناية بالنوم والحركة تدعم التوازن العاطفي. وفي البكاء الهادئ بين يدي الله راحة لكثير من الناس.
وفي الختام فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني لا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في عمل أو مال أو زواج أو علاقة، ولا أن يُتخذ دليلاً على صدق أحد أو كذبه. والغيب علمه عند الله وحده. فاستعن بالدعاء وأحسن الظن بالله وبعباده، وامضِ في يومك بقلب رحيم مطمئن.
