قد يرى النائم تمساحاً على هيئة لعبة، سواء كانت لعبة طفل من البلاستيك أو القماش أو لعبة تتحرك بزر، فيستغرب كيف تحوّل الكائن المهيب إلى شيء صغير مرح. وهذه صورة حديثة تماماً لم تكن مألوفة في الزمن الذي ألّفت فيه كتب التعبير القديمة، ولذلك فهي تُقرأ من باب التأمل المعاصر لا من باب النقل. ولا بد من التنبيه إلى أن ما يلي قراءة رمزية لا تُحمل على ظاهرها، فاللعبة صورة ذهنية خفيفة، وقد تحمل معنى مطمئناً في الغالب.
وفي الرموز العامة يُنظر إلى التمساح على أنه كائن قوي صبور يكمن بهدوء، ويرتبط عند بعضهم بالخصم المستتر أو بالخطر الصامت أو بالطبع الشديد. فإذا صار لعبة فقد فقد هيبته وحدته، وصار شيئاً يُمسك باليد ويُلعب به. وهذا التحول قد يوحي في بعض القراءات بأن الرائي بدأ ينظر إلى أمر كان يهابه نظرة أخف وأكثر سيطرة، أو أن الخوف تقلص حجمه في نفسه. وقد يوحي أيضاً بميل الذهن إلى تخفيف ما يقلقه بصورة طريفة. وهذه كلها احتمالات تأمل لا غير.
ونُسب إلى ابن سيرين في باب الحيوانات المفترسة أنها قد تدل على أصحاب قوة وبأس، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معانٍ مقاربة في الدواب الضارية عموماً. ولا بد من الصراحة بأن اللعبة بمفهومها المعاصر صورة حديثة غائبة عن كتب التعبير القديمة، وأن التمساح نفسه أقل حضوراً فيها من الأسد والحية، فكل ما يُقال هنا تأمل معاصر وقياس بالمماثلة. وقد اختلف المفسرون في الأبواب القريبة اختلافاً واسعاً، ولا يُراد بهذه القراءات اتهام أحد.
والمعنى الأقرب نفسياً أن اللعبة تعبّر عن البراءة والمرح والأمان، وأن تحول التمساح إلى لعبة يعبّر عن تخفف النفس من ثقل كان يحمله. فربما كان الحلم صورة لراحة داخلية أو لرغبة في استعادة خفة الطفولة. وقد يكون انعكاساً لتجربة اليقظة، كمرور بلعبة في متجر أو رؤيتها عند طفل. وقد يكون دعوة لطيفة إلى ألا نأخذ كل مخاوفنا بجدية مفرطة. وهذه معانٍ مريحة تميل إلى الطمأنينة.
وتتغير الدلالة بالتفاصيل؛ فإن كانت اللعبة جديدة نظيفة فالمعنى أقرب إلى بهجة ونقاء، وإن كانت قديمة مكسورة فهو أقرب إلى حنين أو إلى أمر انتهى. وإن كانت تتحرك أو تصدر صوتاً فقد تعبّر عن قدر من الحيوية، وإن كانت ساكنة فعن هدوء. وإن كان الرائي يلعب بها فقد يدل ذلك على تصالح مع خوفه، وإن كان يخشاها رغم صغرها فقد يدل على بقاء أثر من القلق. وشعور الرائي هو الأهم في الحكم على المعنى.
وللفتاة غير المتزوجة قد يتصل الحلم بحنين إلى بساطة الأيام الماضية أو بتخفف من قلق، وللمرأة المتزوجة قد يتصل بمشاهد الأطفال والبيت أو براحة ما بعد عناء، وللرجل قد يتصل بتخفف من ضغوط العمل أو بحنين إلى مرح الطفولة، وللحامل قد يتصل بالتفكير في الطفل المنتظر وما يتصل به من ألعاب وتجهيزات، وهو أمر طبيعي لطيف. وهي قراءات للتأمل لا للجزم.
ومن الدقائق التي تستحق الانتباه: لمن كانت اللعبة؟ هل كانت لك أم لطفل؟ هل كانت هدية؟ هل شعرت بالفرح أم بالحنين؟ فاللعبة التي تكون هدية قد تعبّر عن لطف أو ذكرى، واللعبة التي تخص طفلاً قد تعبّر عن اهتمام بالأطفال. ولا تفسّر هذه التفاصيل بأحداث ستقع أو بأشخاص بعينهم. ويحسن أن تدوّن الحلم وتقرأه بخفة، فلا حاجة إلى إثقاله بالتأويل.
وعملياً يمكن أن يكون الحلم تذكيراً بأن المرح والخفة جزء من الصحة النفسية، وأن الإنسان يحتاج بين حين وآخر إلى أن يلعب ويضحك ويستعيد بساطته. ومن المفيد أن نمنح أنفسنا وقتاً للترويح، وأن نقضي لحظات طيبة مع من نحب، وأن نتخفف من الجدية المفرطة تجاه كل أمر. فالقلب الخفيف أقدر على مواجهة ما يعترضه. وهذه معانٍ نفسية بسيطة تنفع في كل حال.
ومن الإنصاف أن نقول إن الحلم باللعب كثيراً ما يكون مجرد صدى لما رآه الإنسان أو لمسه أو تذكره، ولا يحمل رسالة خفية. ولذلك فإن أبسط قراءة هي الأقرب. وإن شئتَ أن تأخذ منه شيئاً فليكن لحظة ابتسامة وامتنان على نعمة السكينة. وليس من الحكمة أن نصرّ على أن نجد في كل حلم لغزاً يحتاج إلى حل.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي، وهو في هذه الصورة الحديثة أبعد ما يكون عن الجزم. والأجدر أن يتجه الرائي بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يأخذ بالأسباب المعقولة. وما يأتي به الغد من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلا يعلمه إلا هو. فليهدأ الرائي وليمضِ في يومه بقلب خفيف مطمئن.
