ربما رأى المسافر، أو من يهمّ بالسفر، تمساحاً في منامه، فاستيقظ وقد خالط قلبه شيء من التوجس لا يدري سببه. وهذا من الأحلام التي تتكرر مع من يستعد لرحلة طويلة أو يقيم في بلد بعيد أو ينتظر لقاء مجهولاً، لأن العقل ينسج من أجواء الترحال صوراً مستمدة من الأنهار والمياه والحيوانات. والقاعدة الأولى أن هذه الرؤية رمزية لا تُحمل على ظاهرها، فلا تعني أن في الطريق تمساحاً حقيقياً ولا أن حدثاً بعينه قادم. إنما هي لغة صور تعبّر عن مشاعر الرائي وهو بين مكانين، وسنعرض ما قيل فيها بقدر من الحذر.
وفي عموم الرموز يُنظر إلى التمساح على أنه كائن صبور هادئ يرقب من تحت السطح، ولذلك ارتبط في بعض القراءات بما يتوقعه الإنسان من مفاجآت خفية، وبالحذر من أمور لا تُرى بالنظرة الأولى. وقد يعبّر في حال المسافر عن شعور الغربة أمام المجهول، وعن مخاوف الطريق التي لم تتحدد. كما قد يرمز إلى القوة التي يحتاجها الإنسان ليجتاز مشقة الرحلة بالصبر والتأني. وهذه المعاني تبقى احتمالات لا يقيناً، تتغير بتغير ما يعيشه الرائي من أحوال وما يستشعره في نفسه.
ونُسب إلى ابن سيرين في باب الحيوانات المفترسة أنها قد تدل على أصحاب قوة وبأس، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى مثل ذلك في الدواب الضارية بوجه عام. ويجدر بنا أن نقول بصراحة إن التمساح أقل حضوراً في كتب التعبير القديمة من الأسد والحية، فكثير مما يُذكر عنه قياس على غيره. وقد اختلف المفسرون في هذا الباب اختلافاً واسعاً، فلا يصح اعتبار شيء منه حكماً نهائياً. وهي قراءات يراها بعضهم ولا يُراد بها اتهام أحد، ولا تعيين شخص أو جماعة، ولا الحكم على أهل بلد أو طريق.
وبالنسبة إلى المسافر قد يدل المشهد على الحاجة إلى مزيد من الحيطة في التخطيط، كالتأكد من التفاصيل العملية وعدم الاستهانة بما قد يعترض الطريق. وقد يعبر أيضاً عن قلق الوحدة والبعد عن الأهل، فيتخذ القلق شكل كائن ضخم ساكن. وإن كان الرائي مقيماً في بلد غريب فقد يكون التمساح صورة لإحساس الغربة الذي لم يتحول بعد إلى ألفة. ولا يستخلص من هذا أي إنذار بشيء محدد، فالصورة تعكس الداخل أكثر مما تخبر عن الخارج.
وتتغير الدلالة بتغير التفاصيل؛ فتمساح على ضفة نهر بعيدة عن الرائي أخف في دلالته من تمساح يقترب من مركبه أو طريقه. وكذلك صفاء الماء، فالماء الصافي يميل إلى الوضوح والماء العكر إلى الغموض. ويهم نوع الرحلة في الحلم: أكانت برية أم بحرية أم جوية، وهل الرائي وحده أم مع رفقة. ويبقى الأهم شعور الرائي نفسه، فمن رآه بهدوء ليس كمن رآه بفزع، والحلم ينعكس بحسب ما في القلب لحظة الرؤية.
وللمسافرة أو المرأة المتزوجة التي تستعد لرحلة قد يتصل الحلم بتدبير شؤون الأسرة والبيت أثناء الغياب، وبما تتحمله من أعباء الترتيب والتنظيم. وللرجل قد يتصل بتبعات المسؤولية والحرص على سلامة من يرافقه. وللفتاة غير المتزوجة التي تسافر للدراسة أو العمل قد يعبر عن رهبة البدايات الجديدة. وهي كلها قراءات احتمالية للتأمل، لا يُبنى عليها حكم، وتبقى معانيها رهينة بحال كل رائٍ وظروفه.
ومن الدقائق التي تستحق النظر وجود حقيبة أو أمتعة في الحلم، أو مركبة أو محطة، أو رفقة مألوفة. فحضور الأمتعة قد يشير إلى التفكير في الاستعداد، وحضور الرفقة المألوفة قد يشير إلى الحاجة إلى السند. ويحسن بالرائي أن يدوّن ما رأى قبل أن يتبدد، ثم يقرأه بعد قليل بروية. فكثير من التفاصيل تكشف أنها صدى لانشغالات اليوم لا لشيء غيبي، وهذا من أسباب الاطمئنان.
وأما الجانب العملي فهو أن يحول المسافر قلقه إلى استعداد: أن يراجع خطته، ويطمئن على وثائقه ووسائل راحته، ويخبر من يثق بهم بمساره، ويحرص على النوم الكافي قبل الرحلة. والتمساح هنا يمكن أن يكون تنبيهاً هادئاً إلى التأني والانتباه لا إشارة إلى سوء. ومن الجيد أن يتحدث الرائي عن مخاوفه مع شخص قريب، فالحديث يخفف الثقل. والطمأنينة تأتي حين نعمل ما نستطيع ونترك الباقي للتوكل.
وأخيراً فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يصح أن يكون مستنداً لتأجيل سفر أو إلغائه أو لاتخاذ قرار مصيري، ولا لسوء الظن بأحد في الطريق. والأجدر أن يلجأ المسافر إلى الدعاء ويحسن الظن بالله، فالله وحده هو الذي يعلم ما تخفيه الأيام. وما سيقع في الغد ليس لأحد من البشر علم به. فليمضِ الرائي في طريقه مطمئناً، آخذاً بالأسباب، متوكلاً على ربه.
