من الأحلام التي تثير الدهشة أن يرى النائم تمساحاً تتغير هيئته أمام عينيه ليصير حيواناً آخر، كأن يتحول إلى طائر أو سمكة أو دابة أليفة أو حيوان صغير. وكثيراً ما يستيقظ الرائي مستغرباً من هذا التبدل السريع، فالأحلام لا تلتزم بقوانين الواقع. وقد يتكرر هذا المشهد عند من يمرون بتغيّرات في حياتهم أو بتحولات في مشاعرهم. وأول ما يلزم التنبيه إليه أن ما يلي قراءة رمزية لا تُحمل على ظاهرها، فتبدّل الحيوان صورة ذهنية تعبّر عن معنى، لا إخبار عن حادثة.
وفي عموم الرموز يُنظر إلى التمساح على أنه كائن قوي صبور هادئ الظاهر يكمن في الماء، ويرتبط عند بعضهم بالخصم المستتر أو بالخطر الصامت أو بالطبع الشديد الذي يتوارى. وتحويله إلى حيوان آخر قد يعني في بعض القراءات انتقال المعنى من دلالة إلى دلالة أخرى بحسب طبيعة الحيوان الجديد؛ فإن صار حيواناً وديعاً خفّ الثقل المرتبط بالرمز، وإن صار حيواناً آخر قوياً فقد يتبدل شكل الهم وإن بقيت شدته. وهذه كلها احتمالات تتبدل بحسب حال الرائي.
ونُسب إلى ابن سيرين في باب الحيوانات المفترسة أنها قد تشير إلى أصحاب قوة وبأس، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى نحو ذلك في الدواب الضارية عموماً. ولا بد من الصراحة بأن التمساح أقل ذكراً في كتب التعبير القديمة من الأسد والحية، فكثير مما يُقال عنه قياس بالمماثلة، وأما التحول بين الحيوانات فهو من التفاصيل التي لم يفصّلوا فيها كثيراً. وقد اختلف المفسرون في هذه الأبواب، فلا يصح الجزم بقول منها. وهي قراءات رآها بعضهم ولا يُراد بها اتهام أحد ولا تحديد شخص أو جماعة.
ومن الاحتمالات أن يعبّر التحول عن تغير نظرة الرائي إلى همّ كان يشغله، فبعد أن كان ضخماً مهيباً بدا بصورة أخرى أقل رهبة أو أكثر وضوحاً. وقد يرمز إلى أن أمراً كان يظنه شديداً قد اتخذ شكلاً يمكن التعامل معه. وقد يكون في بعض الحالات إشارة إلى تقلّب المشاعر نفسها بين الحذر والاطمئنان. وتبقى هذه معاني عامة تعتمد على ما يتذكره الرائي من تفاصيل وما يعيشه من أحوال، لا على قاعدة ثابتة.
وتتغير الدلالة بحسب الحيوان الذي صار إليه التمساح؛ فإن صار طائراً فقد يميل المعنى إلى الخفة والانطلاق، وإن صار سمكة فقد يميل إلى بقاء الأمر في دائرة الماء والعمق لكن بصورة أوسع قبولاً، وإن صار حيواناً أليفاً فقد يميل إلى الألفة والطمأنينة. وهذا كله قياس رمزي بالمماثلة لا نص فيه. ويحسن أن ينظر الرائي إلى حال الماء ومكان المشهد وسرعة التحول وشعوره عند الرؤية، فهذه الأمور أقرب إلى تحديد المعنى من الحيوان وحده.
وللفتاة غير المتزوجة قد يتصل الحلم بتبدل مشاعر القلق إلى طمأنينة أو العكس في أمر مستقبلي، وللمرأة المتزوجة قد يتصل بتبدل في أجواء البيت أو في ثقل المسؤوليات، وللرجل قد يتصل بتغير في ضغوط العمل، وللحامل قد يرمز إلى تقلبات المشاعر التي تصاحب هذه الفترة وهي طبيعية تماماً. وهي كلها احتمالات للتأمل لا للحكم، ولا يُراد بها تحديد شيء من المستقبل.
ومن الدقائق التي تستحق النظر: هل كان التحول بطيئاً أم سريعاً؟ هل بقي شيء من ملامح التمساح في الحيوان الجديد؟ هل شعرت براحة أم بدهشة أم بخوف؟ وهل رأيت الأمر من بعيد أم من قريب؟ كل هذه تفاصيل تضيف إلى الصورة، لكنها لا تُنتج حكماً قاطعاً. ويستحسن أن يدوّن الرائي ما رأى فور الاستيقاظ، ثم يعيد قراءته بعد حين بروية، فإن تفاصيل الحلم تضيع بسرعة كبيرة.
وأما من الناحية العملية والنفسية فقد يكون الحلم دعوة لطيفة إلى التأمل في كيفية تعاملنا مع ما نخشاه: أن ننظر إليه من زوايا مختلفة، وأن نعطيه اسماً، وأن نسأل ما الذي يجعله يبدو كبيراً في أعيننا. فكثيراً ما يتبدل الخوف حين نغير زاوية النظر. ومن المفيد أن يتحدث الرائي مع من يثق به، وأن يمنح نفسه راحة، وألا يفرط في مطالعة المشاهد المقلقة قبل النوم. وتلك خطوات بسيطة تعين على الطمأنينة.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، لا يصلح أساساً لقرار في الواقع، ولا يجوز أن يتخذ سبباً للشك في أحد. والأولى أن يتجه الرائي بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يأخذ بالأسباب المعقولة في يومه. وما سيقع غداً من شأن الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلا يحيط به بشر. فليمضِ الرائي في حياته بقلب هادئ وثقة بربه.
