قد يفاجأ الرائي في منامه بتمساح أبيض اللون، شاحب الجلد كأنه تمثال من العاج أو كأنه مغطى بطبقة من الثلج. وهذه الصورة غريبة ونادرة حتى في عالم الأحلام، لأن الذهن يعتاد على التمساح بلونه الداكن الذي يندمج مع الماء. ولذلك فإن اللون الأبيض هنا يبرز الحلم ويجعله أكثر ثباتاً في الذاكرة. ومع ذلك فهو صورة رمزية لا تعني وقوع شيء بعينه، وكل ما يُقال في معناها آراء متفرقة تتفاوت في ثقلها ولا تبلغ مبلغ اليقين. ويبقى للرائي أن ينظر في حاله ويستحضر ما مرّ به في أيامه الأخيرة.
اللون الأبيض في الرموز يرتبط عند كثيرين بالصفاء والبداية الجديدة والسلام، ولذلك رأى بعض المعاصرين أن التمساح الأبيض يعبّر عن قوة مخففة الحدة أو عن أمر مخيف في ظاهره لكنه أقل قسوة مما يبدو. وفي المقابل يربط آخرون اللون الأبيض بالشحوب والغرابة وعدم الألفة، فيرون الصورة تعبيراً عن شيء غير مألوف يخرج عن التوقع، وقد يكون خوفاً من المجهول. وهناك من يقول إن الصفاء المرتبط بالأبيض يوحي بوضوح ما كان غامضاً، فالتمساح الذي ظهر في الضوء لم يعد خطراً مخفياً. وهذه الاحتمالات المتباينة تبين أن المعنى لا يتقرر إلا بشعور الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين أن البياض في الأشياء يميل في الجملة إلى الدلالة على الخير والصفاء، وإن كان ذلك يتفاوت بحسب المرئي نفسه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن لون الوحش قد يغيّر وجه التأويل، فيخفف من شدته أو يشدده بحسب اللون وصاحبه. ويجب أن يُقال بصراحة إن التمساح الأبيض لا ذكر له في الكتب القديمة بحسب ما نعلم، بل إن التمساح نفسه أقل ورداً من الأسد والحية، فكل هذا قياس مركّب على أبواب الألوان والوحوش. وقد اختلف المفسرون في قيمة الألوان اختلافاً واسعاً. ولا يجوز أن تُحمل هذه القراءات على إنسان بعينه أو فئة من الناس.
وتختلف دلالة البياض بحسب درجته: فالأبيض الناصع قد يُقرأ على الصفاء والوضوح، والأبيض الشاحب الباهت قد يدل على ضعف أو إرهاق أو شعور بعدم الاكتمال. وإن بدا التمساح كأنه من الرخام أو الجليد، فقد يعبّر عن جمود شعور أو تحجر في موقف ما. وإن بدا حياً متحركاً بلونه الأبيض، فقد يرمز إلى قوة غير معتادة تظهر في موضع غير متوقع. وكذلك فإن مكان الظهور مؤثر، فالأبيض في ماء مظلم يبرز كأنه نور في الظلمة، والأبيض في مكان مضيء يندمج مع محيطه.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر هذا الحلم عن رغبة في البدايات النقية مع خوف خفي من المجهول، فتتجاور الرهبة والرجاء. وقد يُقرأ كأنه دعوة إلى التمهل وترك المقارنات والاستماع لصوتها الداخلي. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى رغبة في هدوء وصفاء في أجواء البيت، مع انتباه إلى أمر لم يُحسم. وللحامل قد يكون البياض مصدراً للطمأنينة النفسية فتميل المشاعر إلى الهدوء، ومع ذلك فالحلم لا يخبر بشيء عن الحمل ولا عن الولادة. وهي قراءات عامة فقط.
وللرجل قد يدل الحلم على تأمل في مرحلة جديدة من حياته المهنية أو الشخصية يختلط فيها الطموح بالحذر. وللتاجر قد يوحي بفرصة غير مألوفة أو سوق جديد، فيُنصح بالتأني ودراسة الأمر بهدوء. ولا يعني الحلم ربحاً ولا خسارة، فهو لا يعطي خبراً عن السوق. ومن الخير أن يجمع المرء معلوماته ويستشير أهل الخبرة. فالبياض في الحلم لا يغني عن الحسابات الدقيقة في الواقع. والرأي المتزن يُبنى على المعطيات الظاهرة.
ومن التفاصيل المفيدة هل كانت عينا التمساح الأبيض عاديتين أم حمراوين؟ فبعض الحيوانات البيضاء نادرة وتبدو هشة، ولذلك قد تكسب الصورة معنى الهشاشة أو الحماية. وهل بدا الأبيض طبيعياً أم كأنه مطلي؟ فالمطلي قد يشير إلى أن الصورة الظاهرة ليست كل شيء، وأن هناك ما يحتاج إلى مزيد من التدقيق. وهل أحسست بالجمال أم بالنفور؟ فإن غلب الجمال فقد تكون الصورة أقرب إلى الإعجاب بقوة هادئة، وإن غلب النفور فقد تكون ترجمة لقلق غير معلن. وكلها قرائن ظنية.
وفي زاوية أخرى يمكن النظر إلى الأبيض بوصفه لوناً يبرز ما كان مختبئاً، فكأن الحلم يسلط ضوءاً على أمر كان يتخفى في الظلال داخل النفس. وقد يكون هذا الأمر قلقاً قديماً أو ضغينة صغيرة تجاه موقف لم يُعالج. وهنا يأتي دور الصراحة مع النفس، فيسأل الإنسان نفسه عما يؤرقه من غير جلد للذات. وإذا وجد جواباً فبإمكانه أن يتحدث أو يكتب أو يخطط للتعامل معه. أما إن لم يجد جواباً فالأمر على الأغلب مجرد صورة عابرة اختلط فيها الخيال بما رآه في يومه.
والجانب النفسي يؤكد أن الصور النادرة في الأحلام كثيراً ما تأتي من اختلاط مواد الذاكرة بعضها ببعض، كمقطع عن حيوان نادر أو صورة لوحة أو مشهد من فيلم. ولذلك لا داعي لتحميل الصورة الغريبة معنى يتجاوز قدرها. ويكفي أن تمنح نفسك وقتاً للراحة وأن تخفف من المثيرات قبل النوم. والإنسان الذي ينام مطمئناً قليلاً ما تزعجه الصور الغريبة. فإن تكرر الحلم مع قلق دائم فاللجوء إلى مختص في الصحة النفسية خطوة سليمة.
وخلاصة الكلام أن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني لا يُبنى عليه قرار حقيقي في زواج أو مال أو عمل أو علاقة. والغيب علمه عند الله وحده، ولا يُستدل عليه بلون في منام. فاجعل الدعاء ملجأك، وأحسن الظن بالله، وامضِ إلى شأنك بسكينة وتوكل وعمل صالح.
