يرى بعض الناس في منامهم تمساحاً يتجول في مكان عملهم، بين المكاتب أو عند باب المدير أو في قاعة الاجتماعات أو خلف طاولة الاستقبال. وهذه صورة مثيرة للقلق عند من تشغلهم أمور الوظيفة والتجارة، وتتكرر خاصة في أوقات التغيير أو التقييم أو المنافسة. والتمساح هنا يتخذ مكانه في بيئة مهنية مألوفة، فيحول المألوف إلى غريب. وهو رمز لا واقع، ولا ينبغي أن يُفهم منه أن أحداً في العمل يضمر سوءاً. وما يُقال حوله اجتهادات متفاوتة.
مكان العمل في الرموز يمثل الرزق والمكانة والعلاقات المهنية والتنافس والمسؤولية، وما يدخله في الحلم يرتبط بهذه المعاني. فالتمساح فيه قد يعبّر عن ضغط مهني قوي أو عن شعور بوجود منافسة صامتة أو عن خوف من تقييم أو قرار إداري مرتقب. وبعضهم يربطه بالشخصية القوية الحادة التي تملأ أجواء العمل برهبتها، لكن على سبيل الرمز الذي لا يُسقط على أحد. وقد يعبّر عند آخرين عن قوة كامنة لدى الرائي نفسه في مجاله المهني، تحتاج إلى أن يتعلم كيف يستخدمها بحكمة.
نُسب إلى ابن سيرين أن أحوال الصنعة والتجارة وما يُرى فيها تدل على أحوال صاحبها في معاشه، وأن ما يدخل عليها من الدواب الشرسة قد يشير إلى ما ينغص ذلك المعاش. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن القوي المتربص في موضع الرزق قد يدل على منافس أو معارض لصاحب الأمر. وليس في الكتب القديمة ما يخص التمساح تحديداً، فهو أقل ذكراً من الأسد والحية، ومن ثم فالأمر قياس بالمشابهة. واختلف المفسرون كثيراً. وقد قصدنا بالتنبيه ألا يتحول هذا الحلم إلى باب لاتهام زميل أو مسؤول أو منافس، فذلك محرم الاستعمال.
وتتبدل الدلالة بحسب موضع التمساح داخل المكان: فإن كان عند مكتب الرائي فالأمر يخصه شخصياً، وإن كان عند مكتب المدير فقد يرتبط بالقرارات والإدارة، وإن كان في قاعة الاجتماعات فقد يرتبط بنقاشات وضغوط جماعية، وإن كان في المدخل فقد يرتبط بأمر قادم من الخارج كعميل أو جهة رقابية. وإن كان الزملاء يتعاملون معه ببرود فقد يدل على ألفة الجميع مع ضغط ما، وإن ارتبكوا فقد يدل على قلق مشترك. وتبقى مشاعر الرائي مفتاح الفهم.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر الحلم عن رهبة من بيئة العمل الجديدة أو من إثبات الذات أمام من هم أكبر خبرة، وهو شعور طبيعي عند البدايات. وللمرأة المتزوجة قد يرتبط بالتوفيق بين العمل والبيت وما يصاحبه من إرهاق وشعور بالتقصير. وللحامل العاملة قد يعبّر عن قلق من الإجازة والمستقبل المهني، فتُنصح بالسكينة والتخطيط الواقعي مع الجهة المختصة في الواقع. وكل ذلك رموز عامة.
وللرجل قد يعبّر الحلم عن ضغط المسؤولية الوظيفية أو القلق من الترقية أو الفصل أو التقييم، وهي مخاوف شائعة عند كثيرين. وللتاجر ومالك المنشأة قد يرتبط بالمنافسة والمخاطر المالية والالتزامات تجاه الموظفين والموردين. وقد يُقرأ الحلم تنبيهاً إلى ضرورة التوثيق والتنظيم وتجنب القرارات المتعجلة. ولا يخبر بنتيجة. والمحترف الجاد يبني قراراته على بيانات ومشورة، لا على صور المنام.
ومن التفاصيل المفيدة: هل كان التمساح يتحرك بين الناس أم ساكناً؟ وهل كان يرتدي شيئاً غريباً أو يحمل شيئاً؟ فالتفاصيل الطريفة تخفف من وقع الصورة وتدل على أن في الأمر جانباً من المبالغة النفسية. وهل كان العمل مزدحماً أم خالياً؟ فالخالي قد يرتبط بعزلة مهنية. وهل كنت قادراً على الاستمرار في عملك رغم وجوده؟ فالقدرة على الاستمرار قد تدل على قدرتك على تحمل الضغط. وهل خرج التمساح في النهاية؟ فقد يدل على انتهاء مرحلة صعبة. وهي قرائن ظنية.
وهناك زاوية تأملية ترى أن التمساح في العمل قد يرمز إلى صفة تحتاجها بيئة العمل نفسها، وهي الصبر والتحمل والتحرك في الوقت المناسب. فالتمساح لا يتعجل ولا يهدر طاقته، وهذه حكمة مهنية بحد ذاتها. وعليه فقد يكون الحلم تذكيراً بأن النجاح المهني لا يحتاج دائماً إلى صخب بل إلى ثبات ومثابرة. وهذه فكرة تحفيزية يمكن للرائي أن ينتفع بها في تنظيم عمله.
والجانب النفسي أن الأحلام عن العمل ترتبط عادة بالتوتر المهني وبما يُسمى إرهاق العمل، وتزداد قبل المواعيد المهمة. ومن المفيد أن يضع الإنسان حدوداً صحية بين وقت العمل وبقية يومه، وأن يتحدث بوضوح مع مسؤوله عن أي صعوبة حقيقية، وأن يوثق إنجازاته ويطلب الدعم عند الحاجة. كما أن أخذ فترات قصيرة من الراحة خلال اليوم يخفف الضغط. ويحسن تجنب فتح رسائل العمل قبل النوم مباشرة. وإن اشتد الضغط فالاستعانة بمختص مفيدة.
وخلاصة القول أن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني لا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في ترك عمل أو قبوله أو تجارة أو شراكة، ولا أن يُتخذ دليلاً على أحد من الزملاء. والغيب علمه عند الله وحده. فاستعن بالدعاء وأحسن الظن بالله، وأدِّ عملك بإتقان وأمانة وطمأنينة.
