رؤية الإنسان وجوهًا مألوفة وسط الزحام في المنام مشهد يبعث على الأنس عادة، لأن الوجه المعروف يعطي إحساسًا بالقرب وسط كثرة الغرباء. الرؤيا رمزية في أصلها، وتفسيرها اجتهاد لا يصل إلى اليقين، ولا يُبنى عليه استنتاج عن أحد من الناس. يتغير المعنى بحسب من ظهر من الوجوه، وبحسب شعور الرائي عند رؤيتهم. ويتغير بحسب عددهم وحالهم، أكانوا يبتسمون أم يبدون مشغولين. ولذلك يُستحسن جمع التفاصيل قبل البحث عن معنى.
الزحام رمز عام يرتبط بالانشغال وكثرة الأصوات وتزاحم الفرص والضغوط الاجتماعية، وبالانتماء إلى جماعة والحاجة إلى مساحة شخصية. وحين تظهر فيه وجوه مألوفة فإن الصورة تتجه إلى معنى وجود نقاط ارتكاز معروفة وسط الكثرة المجهولة. وقد يعبّر ذلك عن علاقات قديمة ما زالت حاضرة في ذهن الرائي. وقد يعبّر عن حاجة إلى الاطمئنان بوجود من يعرفه. وقد يرتبط بتذكر مراحل مضت وأشخاص كانوا جزءًا منها.
إذا كانت الوجوه لأهل قريبين فقد يدل ذلك على ارتباط بالأسرة وحنين إلى أجوائها. وإذا كانت لأصدقاء قدامى فقد يعكس شوقًا إلى أيام الصحبة أو رغبة في استعادة صلة. وإذا كانت لزملاء دراسة أو عمل فقد يعبّر عن انشغال بذلك الجانب من الحياة. وإذا كانت وجوهًا مألوفة دون أن يتذكر الرائي أسماءها فقد توحي بشعور عام بالألفة. وهذه كلها احتمالات للتأمل.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الناس والمعارف أن رؤية المعروفين قد تدل على صلة بهم أو شغل بأمرهم، وأن لقاءهم في سلام قد يدل على خير في العلاقة. ولا يُجزم بدقة هذه النسبة في كل صيغها، فالمراجع تتفاوت في العبارات والتفصيل. ولذلك يؤخذ المعنى على أنه إشارة عامة للاستئناس. وتبقى حال الرائي أولى بالاعتبار من أي نص.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية المعارف في المنام قد تُحمل على ذكرهم في النفس وعلى اتصال المعنى بهم، وقد تُحمل على أمر يخص الرائي معهم بحسب هيئتهم. واختلف المعبّرون في ذلك، فمنهم من ربط الرؤية بالشوق ومنهم من ربطها بأمر مشترك. وهذا الاختلاف يبيّن أن الصورة تحتمل أكثر من وجه. فالرائي أقدر على الترجيح بما يعرفه من أمره.
أثر السياق واضح هنا. فالوجوه المألوفة في مكان يرتبط بها، كمدرسة أو حي قديم، قد تدل على حنين إلى تلك المرحلة. وفي مكان لا علاقة لها به قد تدل على اتصال غير متوقع. ويُنظر إلى ما يفعله أصحاب الوجوه، فإن كانوا يلوّحون ويبتسمون مال المعنى إلى الأنس، وإن كانوا يمرون مسرعين مال إلى الانشغال. ويؤثر عدد الوجوه المألوفة بالنسبة إلى الغرباء في الإحساس العام بالألفة.
تتفاوت القراءة بحسب نوع الرائي. فالعزباء أو الشاب غير المتزوج قد يعكس المشهد عنده حنينًا إلى صحبة قديمة أو رغبة في توسيع دائرة معارفه. والمتزوجة أو المتزوج قد يعبّر عنده عن ارتباط بالأقارب وبالمناسبات الأسرية. والطالب قد يعكس عنده المشهد ذكريات الزملاء، والموظف انشغالًا بمن عمل معهم. وهذه المعاني للتأمل وليست تعيينًا لأحد.
وللتفاصيل أثرها. فإن اقترب أصحاب الوجوه من الرائي وسلّموا عليه فقد يدل ذلك على قرب علاقة وصلة. وإن بقوا بعيدين فقد يعبّر عن شوق لم يتحقق. وإن ظهرت وجوه كثيرة معًا فقد يوحي ذلك بذكريات متزاحمة. وإن ظهر وجه واحد بوضوح فقد يعبّر عن شخص يشغل بال الرائي. وإن كانت الوجوه مبتسمة هادئة فالمعنى أقرب إلى الطمأنينة، وإن بدت متعبة أو مشغولة فقد يرتبط ذلك بما يعرفه الرائي عن أحوال أصحابها في اليقظة.
من الزاوية النفسية العملية، قد يكون هذا الحلم دعوة هادئة إلى تفقد من يحبهم من الأقارب والأصدقاء. ويمكن للرائي أن يتصل بمن يشتاق إليه أو أن يرسل كلمة طيبة. وقد يفيده أن يحفظ لعلاقاته الجيدة وقتًا منتظمًا. ويُذكَّر بأن الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، وأن الخوف الشديد من الزحام أو نوبات الهلع أو ضيق النفس المتكرر يستحق الكلام مع مختص أو أحد الأهل أو طبيب. وطلب العون عند الحاجة من حسن العناية.
يبقى كل ما سبق اجتهادًا بشريًا ظنيًا، قد يصيب وقد يخطئ، وليس فيه جزم بشيء مما سيكون. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الرؤيا قرار ولا يُستنتج منها شيء عن أحد. فليُحسن الرائي الظن بالله، وليدعُ أن يجمعه الله بأحبابه على خير وأن يرزقه أنسًا وطمأنينة. وإن سره المشهد فليحمد الله عليه. وبحسن الظن والدعاء يطيب القلب بإذن الله.
