يرى بعض الناس في منامهم أنهم يخافون من الزحام ويحاولون الابتعاد عنه، وهي رؤيا لها طابع نفسي واضح. وغالبًا ما يستيقظ الرائي منها وفي صدره أثر من الانقباض أو الرغبة في الهدوء. والرؤيا في أصلها صورة رمزية قد تعبّر عن شعور داخلي أو انشغال يومي أكثر مما تعبّر عن واقعة محددة. ولذلك تُقرأ المعاني الآتية احتمالات للتأمل لا أخبارًا قاطعة. وينبغي أن يُستقبل هذا التفسير بهدوء ودون زيادة في القلق.
الزحام في لغة الرموز يشير غالبًا إلى كثرة الانشغالات وتزاحم الأفكار وتداخل المطالب. وحين يقترن بالخوف فقد يعبّر عن ضغوط اجتماعية تثقل صاحبها وتجعله يتمنى الانسحاب منها. وقد يدل على كثرة الأصوات والآراء التي ترهقه حتى يخشى ألا يسمع نفسه. وقد يرمز إلى تردد في الدخول إلى جماعة جديدة أو مناسبة يتهيب منها. وقد يكون إشارة إلى حاجة إلى مساحة شخصية آمنة، دون جزم بأي من هذه المعاني.
نُسب إلى ابن سيرين أن الجموع في المنام يُنظر في أمرها إلى سبب اجتماعها وهيئتها وحال الرائي فيها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الضيق والاختناق في الجمع أقرب إلى كثرة الهموم والشواغل، وأن الاتساع أقرب إلى الراحة. وتتباين آراء المفسرين في تفاصيل ذلك تباينًا ظاهرًا، فمنهم من يميل إلى التفاؤل ومنهم من يميل إلى التحفظ. ولذلك لا يصح الاعتماد على قول واحد. وما نُسب إليهم اجتهاد يُستأنس به لا يقين فيه.
للسياق أثر كبير في هذه الرؤيا، فالخوف في سوق مزدحم يختلف عن الخوف في قاعة أو ممر. وإذا اقترن الخوف بالرغبة في الاحتماء بمكان هادئ فقد يُقرأ ذلك على أنه ميل إلى الراحة وتقليل المثيرات. وإذا اقترن بالجري فقد يكون انعكاسًا لاستعجال أو هروب من مهام كثيرة. ومن المفيد أن يتذكر الرائي ما كان يشغله قبل النوم، فالرؤى كثيرًا ما تتأثر بالأيام القريبة. كما أن المكان ووقت الرؤيا والوجوه المألوفة تضيف خيوطًا للتأويل.
والخوف من الزحام في المنام قد يكون تعبيرًا عن إرهاق اجتماعي أكثر من كونه دليلًا على شيء محدد. فقد يمر المرء بأيام كثيرة اللقاءات والمطالب فيتجسد الإرهاق في صورة جمع يضغط عليه. وقد يكون الرائي ممن يحبون الهدوء بطبعهم فتظهر هذه الرغبة في المنام بصورة خوف. وقد يرتبط بتجربة سابقة في مكان مزدحم تركت أثرًا في الذاكرة. وكل ذلك احتمالات لا يصح الجزم بها.
وتختلف قراءة الرؤيا بحسب نوع الرائي. فالطالب قد يكون الزحام عنده صورة لضغط الدراسة والمنافسة، والعامل قد يكون صورة لكثرة المهام والمواعيد. والمرأة المنشغلة بالأسرة قد يكون عندها صورة لكثرة المطالب في البيت، والمسافر قد يكون عنده صورة لترتيبات التنقل. وكبير السن قد يعبّر عنده عن حاجة إلى هدوء بعد كثرة الحركة. وفي كل ذلك يبقى شعور الرائي الفعلي هو الميزان.
ومن التفاصيل الدقيقة التي تغيّر المعنى أن يجد الرائي من يمسك بيده ويساعده على الخروج. فقد يعبّر ذلك عن حاجته إلى سند يطمئنه عند الشدة. وإن استطاع أن يجد مخرجًا بنفسه فقد يُحمل على قدرته على تدبير أمره. وإن لجأ إلى ركن هادئ فقد يدل ذلك على ميله إلى الاستراحة وإعادة ترتيب أفكاره. أما إن بقي في مكانه ثابتًا فقد يكون ذلك إشارة إلى بداية التكيف مع ما يخيفه.
وإذا تحول الزحام في الرؤيا إلى مكان فسيح فقد يُقرأ ذلك على أنه انفراج تدريجي وتخفف من الضغط. وإذا خفتت الأصوات فقد يعبّر عن حاجة إلى هدوء ذهني. وإذا ظهر وجه مألوف يبتسم فقد يدل على أن الدعم قريب. وإذا بقي الخوف حتى الاستيقاظ فقد يكون ذلك دعوة إلى التمهل والعناية بالنفس. ولا يصح تحميل هذه التفاصيل أكثر مما تحتمل.
من الناحية العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا صدى لتوتر أو إرهاق يحتاج إلى اهتمام. ويفيد الرائي أن يقلل من المثيرات قبل النوم، وأن يمارس تنفسًا هادئًا وراحة منتظمة، وأن يتدرج في الأماكن المزدحمة بدل أن يتجنبها كليًا. وهذه الرؤيا ليست نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، وإن كان الخوف الشديد من الزحام يحدث في اليقظة أيضًا أو تصاحبه نوبات هلع أو قلق مستمر يؤثر في الحياة اليومية فيستحسن أن يتحدث مع مختص أو أحد أهله. وطلب العون خطوة حسنة تخفف كثيرًا مما يثقل.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وقد يصيب وقد يخطئ. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يستعين بالدعاء والطمأنينة. اللهم اجعل ما رآه خيرًا، وبدّل خوفه أمنًا وسكينة. والغيب علمه عند الله وحده، وما الرؤيا إلا إشارة رمزية تُقرأ بهدوء ثم تُترك.
