رؤية الحشد وهو يبتعد عن الرائي في المنام صورة تُحدث فراغًا حول صاحبها بعد أن كان وسط الناس، وقد تترك أثرًا من الارتياح أو من الاستغراب بحسب الشعور المصاحب. الرؤيا رمزية في أصلها، وتفسيرها اجتهاد لا يبلغ اليقين، ولا ينبغي أن يُفهم منها شيء عن علاقات الرائي بالناس. يتغير المعنى بحسب إحساسه حين ابتعدوا، هل شعر بالهدوء أم بالوحشة. ويتغير بحسب طريقة ابتعادهم، أهي منتظمة هادئة أم سريعة متجنبة. فيحسن التأني وجمع التفاصيل قبل البحث عن معنى.
الزحام رمز عام يرتبط بالانشغال وكثرة الأصوات وتزاحم الفرص والضغوط الاجتماعية، وبالانتماء إلى جماعة والحاجة إلى مساحة شخصية. وحين يبتعد الحشد فإن الصورة تتجه إلى معنى اتساع المساحة حول الرائي وتراجع ضغط الآخرين. وقد يعبّر ذلك عن حاجة إلى الخلوة بعد فترة كثر فيها الكلام والمطالب. وقد يعبّر عن شعور بأن الناس منشغلون عنه بأمورهم، فيشعر ببعد لا يقصده أحد. ويبقى الفرق بين المعنيين راجعًا إلى مشاعر الرائي أكثر من رجوعه إلى شكل المشهد.
إذا كان الرائي مرتاحًا لابتعادهم فقد يدل ذلك على رغبة في التخفف من الالتزامات الاجتماعية والاستمتاع بوقت هادئ مع نفسه. وإذا كان يتمنى بقاءهم فقد يعكس شوقًا إلى أنس الجماعة أو إحساسًا بالوحدة في فترة من حياته. وإذا كان يحاول اللحاق بهم دون جدوى فقد يعبّر عن رغبة في الانتماء إلى جماعة ما لم يجد لها طريقًا بعد. وإذا كانوا يبتعدون وهم يلوّحون له فقد يوحي ذلك بانصراف عابر لا قطيعة فيه. وكل هذه احتمالات تُقرأ بحذر.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الجموع أن انصراف الناس عن الشخص قد يدل على انتهاء حاجتهم إليه في أمر ما، وقد يدل على خلو باله من شواغلهم. ولا يُجزم بصحة كل ما يُنسب إليه في هذا الباب، فالروايات تتفاوت ولا تخلو من اختلاف في الألفاظ. فيؤخذ هذا الكلام على سبيل الاستئناس لا القطع. وتُقدَّم عليه معرفة الرائي بحاله وبمن حوله.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن بعد الناس عن الرجل قد يُحمل على قلة المخالطة، وقد يُحمل على السلامة من كثرة المطالب بحسب الحال. واختلف المعبّرون في ترجيح أحد الوجهين، فمنهم من ربطه بالراحة ومنهم من ربطه بالوحشة. وهذا الاختلاف يبيّن أن الصورة الواحدة تحتمل معنيين متقابلين. والأقرب أن يتبع الرائي ما يجده في نفسه من شعور هادئ أو منزعج.
أثر السياق كبير في هذا المشهد. فابتعاد الحشد في مكان رحب مضيء يوحي بالانفراج، وابتعاده في مكان مظلم قد يوحي بالوحشة. ويُنظر إلى ما يملأ الفراغ بعد ابتعادهم، فإن امتلأ بهدوء وسكينة مال المعنى إلى الارتياح، وإن بقي خاويًا موحشًا مال إلى الحنين. ويُنظر إلى هيئة الناس وهم يبتعدون، فالابتسام والتلويح يخففان المعنى الثقيل. ويؤثر كذلك أن يكون الرائي مستعدًا لهذا الهدوء أو يفاجئه.
تختلف القراءة بحسب نوع الرائي. فالعزباء أو الشاب غير المتزوج قد يرتبط المشهد عنده بحاجته إلى وقت لنفسه، أو بإحساس بأن أقرانه مشغولون عنه. والمتزوجة أو المتزوج قد يعبّر عنده عن راحة بعد انقضاء ضيافة أو واجبات، أو عن شوق إلى أهل بعيدين. والطالب قد يعكس عنده الابتعاد انتهاء مرحلة دراسية وتفرق الزملاء، والموظف قد يعكس عنده فترة هدوء بعد ازدحام العمل. وكلها معانٍ للتأمل.
وللتفاصيل أثرها. فإذا كان الابتعاد تدريجيًا بطيئًا فقد يعبّر عن تغيرات هادئة في المحيط، وإذا كان سريعًا فقد يعكس مفاجأة في مشاعر الرائي. وإذا بقي بضعة أشخاص قريبين فقد يدل ذلك على علاقات ثابتة لا تتأثر بالمواسم. وإذا اتسع الطريق أمام الرائي بعد ابتعاد الجمع فقد يوحي ذلك بفرصة للتفكير بصفاء. وإذا كان يسمع أصواتهم من بعيد فقد يعبّر ذلك عن اتصال لم ينقطع.
من الزاوية النفسية العملية، قد يعكس هذا الحلم رغبة في الراحة أو إحساسًا بالعزلة حسب الحال. ويمكن للرائي أن يسأل نفسه عن مقدار ما يحتاجه من وقت منفرد، وعن مقدار ما يحتاجه من تواصل مع من يحب. وقد يفيده أن يبادر بكلمة طيبة لمن يشتاق إليهم دون تكلف. ويُذكَّر بأن الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، وأن الخوف الشديد من الزحام أو نوبات الهلع أو ضيق النفس المتكرر يستحق الكلام مع مختص أو أحد الأهل أو طبيب. ومن شعر بوحشة مستمرة فالأولى أن يتحدث مع من يثق به.
يبقى كل ما سبق اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الخطأ والصواب، وليس فيه جزم بشيء مما سيكون. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الرؤيا قرار ولا يُخشى منها شيء. فليُحسن الرائي الظن بالله، وليدعُ أن يرزقه الله هدوءًا حين يحتاج إلى الخلوة وأنسًا حين يحتاج إلى الصحبة. وإن أراحه المشهد فليحمد الله، وإن أقلقه فليصرفه عن باله. وبحسن الظن والدعاء يستقر القلب بإذن الله.
