رؤية الإنسان نفسه يُدفع أو يدفع غيره وسط الزحام في المنام مشهد يثير الانزعاج عادة، لكنه في الغالب انعكاس رمزي لضغط الحياة أكثر منه إشارة إلى أي شيء يقع في الواقع. الرؤيا رمزية في أصلها، وتفسيرها اجتهاد لا يصل إلى اليقين، ولا ينبغي أن يُقرأ منه نذير ولا خوف. يتغير المعنى بحسب من كان يدفع ومن كان يُدفع، وبحسب شدة الدفع ولطفه. ويتغير بحسب شعور الرائي، هل غضب أم احتمل أم استسلم. فيحسن جمع التفاصيل قبل البحث عن معنى.
الزحام رمز عام يرتبط بالانشغال وكثرة الأصوات وتزاحم الفرص والضغوط الاجتماعية، وبالانتماء إلى جماعة والحاجة إلى مساحة شخصية. وحين يقترن به الدفع فإن الصورة تتجه إلى معنى مزاحمة الآخرين للرائي على مكان أو فرصة أو وقت. وقد يعبّر ذلك عن شعور بأن الضغوط تدفعه نحو اتجاه لم يختره بنفسه. وقد يعبّر عن حاجة إلى حماية مساحته الشخصية. وليس في هذا ما يدل على أذى، فهو في معظمه تعبير عن شعور بالضغط.
إذا كان الرائي هو المدفوع فقد يدل ذلك على إحساس بأن الظروف أو الناس يفرضون عليه خطوات سريعة. وإذا كان هو من يدفع فقد يعكس رغبة في شق طريقه وسط المنافسة أو استعجالًا في بلوغ هدف. وإذا كان الدفع خفيفًا عابرًا فقد يعبّر عن مضايقات صغيرة في الحياة اليومية. وإذا كان الدفع من شخص معروف فقد يرتبط بعلاقة فيها ضغط أو توقعات. وتبقى هذه المعاني احتمالات للتأمل لا للقطع.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الجموع أن مزاحمة الناس قد تدل على كثرة المشاغل والمطالب وتنافس على أمور الدنيا. ولا يُجزم بدقة هذه النسبة في كل صيغها، فالمصادر تتفاوت في العبارات والتفصيل. ولذلك يؤخذ الكلام على أنه إشارة عامة يُستأنس بها. وتبقى أحوال الرائي هي الأولى بالنظر عند تفسير الصورة.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المزاحمة قد تُحمل على المنافسة والتنازع على المنافع، وقد تُحمل على مشقة يتحملها صاحبها في سبيل غرض يطلبه. واختلف المعبّرون في تقدير ذلك، فمنهم من ربطه بعوائق تزول ومنهم من ربطه بجهد يُبذل. وهذا الاختلاف يبيّن أن الصورة تحتمل أكثر من معنى. فالأنسب أن يوازن الرائي بين ما يوافق ظروفه وما لا يوافقها.
أثر السياق عظيم هنا. فالدفع عند بوابة أو مدخل قد يرتبط بالتزاحم على فرصة أو بداية جديدة، وفي سوق قد يرتبط بكثرة المعروضات والخيارات. ويُنظر إلى هدف الرائي، فإن كان يتجه إلى شيء واضح مال المعنى إلى السعي، وإن كان بلا وجهة مال إلى التشتت. ويُنظر إلى قدرته على الاحتفاظ باتزانه وسط الدفع. ويؤثر ضيق المكان أو اتساعه في شدة الشعور بالضغط.
تتفاوت القراءة بحسب نوع الرائي. فالعزباء أو الشاب غير المتزوج قد يعكس المشهد عنده تنافسًا في دراسة أو عمل أو مزاحمة على فرصة. والمتزوجة أو المتزوج قد يعبّر عنده عن ضغط الالتزامات الأسرية والاجتماعية. والطالب قد يعكس عنده المشهد ازدحام المهام والاختبارات، والموظف ازدحام المطالب وتسارع الإيقاع. وهذه كلها قراءات احتمالية يمكن أن تتغير بحسب ظروف كل رائٍ.
وللتفاصيل أثرها. فإن كان الدفع لطيفًا مصحوبًا باعتذار فقد يعبّر عن تفاعل اجتماعي عادي. وإن كان فظًا فقد يعكس شعورًا بعدم الاحترام لمساحة الرائي. وإن استطاع الرائي الوقوف ثابتًا فقد يدل على قدرته على الصمود أمام ضغوط محيطه. وإن وجد في النهاية مكانًا فسيحًا فقد يوحي بانفراج بعد ضيق. وإن كان يدفع بعنف فقد يدل على استعجال يحتاج إلى مراجعة لطيفة.
من الزاوية النفسية العملية، قد يكون الحلم انعكاسًا لازدحام اليوم وكثرة المطالب. ويمكن للرائي أن يرسم حدودًا لطيفة مع من حوله وأن يتعلم قول لا بأدب حين يلزم. وقد يفيده أن يخصص وقتًا يوميًا بعيدًا عن الضجيج. ويُذكَّر بأن الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، وأن الخوف الشديد من الزحام أو نوبات الهلع أو ضيق النفس المتكرر يستحق الكلام مع مختص أو أحد الأهل أو طبيب. ومن وجد في الزحام ضيقًا متكررًا فلا ينتظر تفسيرًا.
يبقى كل ما سبق اجتهادًا بشريًا ظنيًا، قد يصيب وقد يخطئ، وليس فيه جزم بشيء مما سيكون. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الرؤيا قرار ولا يُخشى منها شيء. فليُحسن الرائي الظن بالله، وليدعُ أن يصرف الله عنه كل ضيق وأن يرزقه سعة في أمره وصدره. وإن أقلقه المشهد فليتجاوزه بهدوء. وبحسن الظن والدعاء يرتاح القلب بإذن الله.
