رؤية الإنسان وجوهًا غريبة لا يعرفها وسط الزحام في المنام مشهد شائع، فهو يعكس في كثير من الأحيان كثرة ما يمر به الإنسان من وجوه وأخبار في يومه. الرؤيا رمزية في أصلها، وتفسيرها اجتهاد لا يصل إلى اليقين، ولا يُبنى عليه استنتاج عن أحد. يتغير المعنى بحسب شعور الرائي حين رأى هذه الوجوه، هل شعر بالفضول أم بالارتباك أم بالسكينة. ويتغير بحسب هيئة الوجوه، هل كانت ودودة أم جامدة. ولذلك يُستحسن جمع التفاصيل كلها قبل البحث عن معنى، وعدم الاكتفاء بعنصر واحد منها.
الزحام رمز عام يرتبط بالانشغال وكثرة الأصوات وتزاحم الفرص والضغوط الاجتماعية، وبالانتماء إلى جماعة والحاجة إلى مساحة شخصية. وحين تكثر فيه الوجوه الغريبة فإن الصورة تتجه إلى معنى التعرض لما هو جديد ومجهول وسط الحياة اليومية. وقد يعبّر ذلك عن مرحلة تتسع فيها دائرة الاحتكاك بأشخاص جدد. وقد يعبّر عن إحساس بالغربة أو بقلة الألفة مع من حوله. وقد يكون انعكاسًا بسيطًا لما رآه الرائي في يومه من وجوه كثيرة.
إذا كانت الوجوه الغريبة مبتسمة هادئة فقد يدل ذلك على انفتاح على علاقات جديدة وقبول لها. وإذا كانت جامدة غير مكترثة فقد يعكس شعورًا بقلة الاهتمام أو بالبعد عن المحيط. وإذا كان الرائي يتأملها بفضول فقد يعبّر ذلك عن رغبة في التعرف وتوسيع المعرفة. وإذا كان يتجنبها فقد يوحي بحاجة إلى مسافة آمنة في مرحلة ما. وهذه كلها احتمالات للتأمل ولا يُراد منها وصف أحد.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الناس أن رؤية الغرباء قد تدل على أخبار جديدة أو أمور لم تكن مألوفة، وأن كثرتهم قد تدل على اتساع الشأن وتجدده. ولا يُجزم بدقة هذه النسبة في كل صيغها، فالمراجع تتفاوت في العبارات والتفصيل. ولذلك يؤخذ المعنى على أنه إشارة عامة للاستئناس. وتبقى حال الرائي وظروفه أولى بالنظر من أي نص.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الغرباء في المنام قد يُحمل ظهورهم على أمور طارئة أو معارف مستجدة، وقد يُحمل على شعور بالغربة عند صاحب الرؤيا. واختلف المعبّرون في ذلك، فمنهم من ربط الرؤية بتجدد وفرص ومنهم من ربطها بوحشة وانشغال. وهذا الاختلاف يبيّن أن الصورة تحتمل أكثر من وجه. فالأنسب أن يتأمل الرائي حاله وشعوره.
أثر السياق واضح هنا. فالوجوه الغريبة في مكان مألوف قد تدل على تغير في المحيط المعتاد، وفي مكان غريب قد تدل على مرحلة جديدة كاملة. ويُنظر إلى مدى راحة الرائي بينها، فالراحة تعزز معنى الانفتاح، والتوتر يعزز معنى الحذر. ويُنظر إلى وجود شخص مألوف بين الغرباء، فوجوده قد يخفف الإحساس بالغربة. ويؤثر الوقت والإضاءة، فالإضاءة الهادئة تزيد الطمأنينة.
تتفاوت القراءة بحسب نوع الرائي. فالعزباء أو الشاب غير المتزوج قد يعكس المشهد عنده رغبة في التعرف إلى أصدقاء جدد أو في دخول بيئة مختلفة. والمتزوجة أو المتزوج قد يعبّر عنده عن تعامل مع أشخاص جدد في الحي أو العمل أو مناسبات الأسرة. والطالب قد يعكس عنده المشهد بداية عام دراسي جديد، والموظف بداية عمل أو فريق جديد. وهذه المعاني للتأمل وليست تعيينًا لأحد.
وللتفاصيل أثرها. فإن اقترب أحد الغرباء وتحدث إلى الرائي بلطف فقد يدل ذلك على علاقة جديدة طيبة. وإن مرّ الجميع مسرعين فقد يوحي بانشغال الناس عن بعضهم. وإن كانت الوجوه كثيرة جدًا وبلا ملامح واضحة فقد يعبّر عن إرهاق من كثرة المثيرات. وإن ظهر وجه مألوف بين الوجوه الغريبة فقد يعبّر عن وجود نقطة اطمئنان. وإن كان الرائي يحمل شعورًا بالفضول الهادئ فالمعنى أقرب إلى الانفتاح.
من الزاوية النفسية العملية، قد يكون هذا الحلم انعكاسًا لمرحلة جديدة تحتاج إلى تأقلم مع بيئة أو أشخاص. ويمكن للرائي أن يتعامل مع الجديد بخطوات صغيرة، كتحية أو سؤال بسيط، فذلك يخفف الغربة. وقد يفيده أن يتذكر أن الغريب اليوم قد يصير مألوفًا بعد حين. ويُذكَّر بأن الحلم ليس نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، وأن الخوف الشديد من الزحام أو نوبات الهلع أو ضيق النفس المتكرر يستحق الكلام مع مختص أو أحد الأهل أو طبيب. وطلب العون عند الحاجة من حسن العناية.
يبقى كل ما سبق اجتهادًا بشريًا ظنيًا، قد يصيب وقد يخطئ، وليس فيه جزم بشيء مما سيكون. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الرؤيا قرار ولا يُنسب بها شيء إلى أحد. فليُحسن الرائي الظن بالله، وليدعُ أن يرزقه الله صحبة طيبة وسكينة في مجالسه. وإن سره المشهد فليحمد الله عليه، وإن أقلقه فليتجاوزه بهدوء. وبحسن الظن والدعاء يطمئن القلب بإذن الله.
