الزحام في الجامعة رؤية تتكرر عند الطلاب وغيرهم ممن مروا بتجربة الدراسة العالية. الجامعة في المنام ترمز إلى الطموح والتخصص وبناء المستقبل، وحين تمتلئ قاعاتها وساحاتها فإنها تعكس ما يدور في ذهن الرائي من تطلعات. والرؤيا في أصلها رمزية، ولا تُعد خبرًا يقينيًا بما سيكون. ويختلف تأويلها بحسب مرحلة صاحبها وظروفه. ولذلك يُنظر إلى المعاني التالية بوصفها احتمالات لا جزمًا.
قد يرمز الزحام في الجامعة إلى كثرة المحاضرات والمشاريع والمتطلبات التي تتزاحم في جدول الرائي. وقد يعبّر عن المنافسة على المنح والفرص والتقديرات العالية. وكثرة الأصوات والنقاشات قد تشير إلى تعدد الاتجاهات الفكرية والمهنية التي يتأمل فيها قبل أن يختار. وقد يدل أيضًا على شعوره بأنه جزء من جماعة كبيرة تسعى نحو أهداف متقاربة. وفي المقابل قد يخفي حاجة إلى مساحة شخصية يفكر فيها في مساره بهدوء.
نُسب إلى ابن سيرين في باب طلب العلم أن السعي إلى مجالس العلماء قد يدل على رفعة وانتفاع. ويُنقل في بعض كتب التعبير أن المشي في أروقة العلم بين جمع كثير قد يشير إلى مخالطة أهل الفضل. وهذه النصوص تتفاوت في ثبوتها، وللعلماء كلام في نسبة كثير منها. فلا تُتخذ قاعدة مقطوعًا بها. والأسلم أن تُعد أفكارًا عامة تُقارن بواقع الرائي.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مواضع الدرس والتحصيل قد ترمز إلى جهد يُبذل في سبيل مرتبة أو معرفة. وذكر غيره من المعبّرين أن التزاحم على أبواب العلم قد يدل على كثرة الراغبين في الفرصة نفسها. ويُفهم من بعض الأقوال أن من يشق طريقه وسط الجمع بصبر يُرجى له بلوغ مراده، وهذا اجتهاد لا يُجزم به. وتتباين الآراء في تفاصيل هذه الرؤى تباينًا واسعًا. فمن الأنفع الموازنة بين الأقوال دون اعتماد واحد منها.
يؤثر السياق في المعنى تأثيرًا ظاهرًا. فالمدرج المكتظ بالحضور قد يوحي بمرحلة كثافة في التحصيل، أما الساحة المفتوحة فقد توحي بالتواصل والتعارف. وإذا كان الرائي يجلس في مكانه بسهولة فقد يدل على استقرار في مساره. وإذا كان يبحث عن مقعد ولا يجد فقد يعكس قلقًا من الفرص المحدودة. وكذلك يختلف الأمر إن كانت الجامعة التي ظهرت مألوفة له أم لم يرها من قبل.
إذا كان الرائي طالبًا في بداية دراسته فقد يمثل الزحام عنده رهبة التجربة الجديدة وكثرة الوجوه الغريبة. وإذا كان قرب التخرج فقد يعبّر عن زحمة التفكير في الوظيفة والخطوة التالية. وإذا كان باحثًا أو معيدًا فقد يشير إلى تراكم الأبحاث والمهام. أما من ترك الدراسة منذ زمن فقد يكون الحلم استدعاءً لطموح قديم لم يكتمل. وهذه أمثلة تقريبية لا تلزم كل رائٍ.
من التفاصيل الدقيقة ما يحمله الرائي بين يديه، فالكتب الكثيرة قد ترمز إلى أعباء متراكمة. ومن التفاصيل شعوره بالتأخر عن موعد المحاضرة، وهو شعور شائع قد يعبّر عن خوف من التقصير. ويحسن التأمل في هل كان الزحام عند باب القاعة أم في الممرات أم في المكتبة. فكل موضع يعطي إيحاءً مختلفًا. وتدوين ما يُتذكر عند الاستيقاظ يعين على تأمل أصدق.
من الناحية النفسية قد يرتبط الحلم بأسابيع الاختبارات أو تقديم مشروع أو قرار اختيار تخصص. والعقل قد يعرض الجامعة المزدحمة لأنها تجمع الضغط والتطلع في صورة واحدة. ومن الخطوات العملية تنظيم الوقت بجدول أسبوعي واقعي وترك فسحات للراحة. ومنها وضع حدود لما يقبله الرائي من مهام إضافية، وطلب المساعدة من الزملاء. كما يفيد الابتعاد عن الضجيج في ساعات المذاكرة، والنوم الكافي قبل الاختبارات.
هذه التعبيرات ليست نصيحة طبية أو نفسية متخصصة، ولا تغني عن استشارة أهل الاختصاص. فإذا كان الخوف من الزحام شديدًا، أو تكررت نوبات الهلع أو ضيق النفس، فالأفضل التحدث مع مختص أو مع أحد الأهل الموثوقين. وكثير من الجامعات توفر خدمات إرشاد نفسي مجانية للطلاب يمكن الرجوع إليها. وفي الفعاليات المزدحمة في الواقع يحسن معرفة المخارج وإبقاء الهاتف مشحونًا. ويكفي هذا القدر من الاستعداد دون خوف مبالغ فيه.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار مصيري. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا صورة رمزية تحتمل أكثر من وجه. ويحسن بالرائي أن يدعو الله بالتوفيق والسداد، وأن يحسن الظن بربه. وليمضِ في طريقه العلمي بهدوء وثقة، وليسأل الله أن يفتح له أبواب الخير والنجاح.
