الرؤيا في المنام رموز تتشكل من الخواطر والمشاعر والصور المخزونة في الذهن، ولا تُحمل على ظاهرها بجمود. وحين يرى النائم نفسه يوزع التمر على الناس فإن التوزيع جزء أساسي من الصورة، إذ يوحي بالعطاء العام والمشاركة وإيصال الخير إلى أكثر من شخص. ولذلك ينبغي أن ينظر الرائي إلى هوية من يوزع عليهم وكيفية التوزيع وشعوره قبل أن يميل إلى فهم معين. وما يلي قراءة عامة تحتمل الصواب والخطأ، وليست قطعًا بما سيقع.
يرمز التمر عمومًا إلى الرزق الحلو والقناعة والبركة والكرم والخير الهادئ. فإذا وزعه الرائي على الناس فقد يُقرأ ذلك على أنه كرم عام وعطاء يمتد أثره، أو مشاركة لما يملكه مع من حوله، أو مكانة طيبة بين الناس. وقد يدل كذلك على مسؤولية اجتماعية أو دور يقوم به بين أهله وجيرانه. وهذه الدلالات احتمالات لا جزم فيها، فهي تتلون بحال الرائي وما يمر به.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب العطايا عمومًا أن التوزيع والإعطاء في المنام قد يدل على سعة الصدر وعلى نفع يتعدى صاحبه إلى غيره، وأن ما يُوزع حلوًا يدل على طيب الذكر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن قسمة الأشياء في المنام قد تشير إلى تدبير شأن عام أو إلى ما يقسمه الإنسان من وقته وماله بحسب الحال. غير أن توزيع التمر بخصوصه لم يُفصَّل كثيرًا في الكتب القديمة، والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا فيها، فتتباين الآراء. وهذا التباين يدعو إلى التأني وعدم الجزم.
يتبدل المعنى بتبدل السياق. فإذا كان التوزيع منظمًا هادئًا ويقبله الناس بسرور فالصورة تميل إلى عطاء مبارك، وإذا كان الازدحام شديدًا وقلة ما يكفي فقد تميل إلى شعور بثقل المسؤولية. وإن كان يوزع على فقراء أو محتاجين فقد يدل على رحمة وحس إنساني، وإن كان على أصدقاء فقد يدل على مودة. وإن نفد التمر قبل أن يصل إلى الجميع فقد يدل على رغبة في العطاء أوسع من الإمكان، وللإضاءة وشعور الرائي بعد الاستيقاظ أثر في الترجيح.
إذا رأت العزباء أنها توزع التمر على الناس فقد يُفسَّر ذلك بلطف طبعها وكرمها، أو بدور اجتماعي تقوم به في أسرتها أو محيطها، أو بمشاركة فرحة قريبة. وإن كانت تعطي بسرور فقد يدل على رضاها وحيويتها، وإن كانت مرتبكة فقد يعبّر عن حرصها على عدم التقصير. وليس في الحلم تحديد لشخص ولا لموعد. فالأولى أن تأخذه بتفاؤل معتدل، وأن تبني قراراتها على الواقع ومشورة أهل الثقة.
وللمتزوجة قد يرمز توزيع التمر إلى كرمها ومشاركتها الأهل والجيران، أو إلى مناسبة أسرية قريبة، أو إلى دور تقوم به في ترابط العائلة. وقد يعبّر عن رغبتها في نشر البهجة. وإن كانت حاملًا فالحلم انعكاس لمشاعر الترقب، وليس نصيحة طبية ولا مرجعًا في أي شأن يخص الحمل، والمتابعة مع الطبيبة هي الأصل. وكذلك لمن يعاني مرضًا، فلا يغني الحلم عن الفحص والإرشاد الطبي.
وللرجل قد يدل توزيع التمر على كرم ومكانة بين الناس، أو على مسؤولية في جماعة أو عمل، أو على أثر نافع يتركه في محيطه. وقد يعبّر عن رغبته في مساعدة من حوله بما يستطيع. وإن كان طالبًا فقد يشير إلى مشاركة علمه أو جهده مع زملائه. وإن كان في ضيق فقد يعكس الحلم رغبته في العطاء رغم قلة ما بيده، مع الأخذ بالأسباب والتخطيط الواقعي لأموره.
من التفاصيل الدقيقة طريقة التوزيع ومن شمله، فالتوزيع العادل المتساوي يدل على إنصاف وحسن تدبير، وتخصيص البعض قد يدل على قرب من أشخاص بعينهم. وكذلك حال التمر، فالحلو الطيب يدل على صفاء العطاء، وإن كان فيه ما يكدّر فقد يدل على حاجة إلى حسن الاختيار. ومكان التوزيع في شارع أو مسجد أو بيت أو تجمع يضيف دلالة سعة الأثر. وتبقى هذه التفاصيل قرائن مساعدة لا أدلة قاطعة.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يعكس الحلم رغبة الرائي في أن يكون ذا أثر طيب، أو شعوره بمسؤولية تجاه من حوله. ويمكنه أن يبادر بعمل خير بسيط ضمن طاقته، وأن يوازن بين ما يعطيه وما يحتاجه لنفسه وأسرته. وقد يكون للمشهد صلة بمناسبة أو توزيع رآه قبل النوم، فلا يُحمَّل أكثر مما يحتمل. وكل هذه الاحتمالات تتبدل بتبدل حال الرائي وظروفه، فما يصدق على شخص قد لا يصدق على غيره.
وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، فلا يُبنى عليه قرار حاسم ولا توقع جازم. والأجمل أن يحسن الرائي ظنه بالله، وأن يدعو بأن يبارك الله له في عطائه وأن يجعل أثره طيبًا نافعًا. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا إشارة تُقرأ بتواضع. فليمضِ الرائي مطمئنًا، كريم النفس، حسن الظن بربه.
