الرؤيا في المنام لغة رمزية تتألف من الخواطر والمشاعر والصور التي يختزنها الذهن، ولا تُقرأ قراءة حرفية جامدة. وحين يرى النائم نفسه يغسل التمر فإن الغسل جزء أساسي من الصورة، إذ يوحي بالتنقية والعناية والتهيئة قبل الاستعمال. ولذلك ينبغي أن ينظر الرائي إلى حال الماء والتمر وشعوره أثناء الغسل قبل أن يميل إلى فهم معين. وما يلي قراءة عامة تحتمل الصواب والخطأ، وليست قطعًا بما سيقع.
يرمز التمر عمومًا إلى الرزق الحلو والقناعة والبركة والكرم والخير الهادئ. فإذا غسله الرائي فقد يُقرأ ذلك على أنه تنقية لرزقه وتدقيق في مصادره، أو عناية بشأن يهمه قبل المضي فيه، أو إصلاح لأمر علق به غبار الإهمال. وقد يدل كذلك على حرص صاحبه على صفاء ما بين يديه وحسن تدبيره. وهذه الدلالات احتمالات لا جزم فيها، فهي تتلون بحال الرائي وما يمر به.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الماء والطهارة عمومًا أن الماء قد يدل على الحياة والنفع، وأن الغسل يدل على إزالة الكدر وتنقية الحال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن غسل الأشياء في المنام قد يشير إلى إصلاحها وتخليصها مما شابها، بحسب نوعها. غير أن غسل التمر بخصوصه لم يُفصَّل كثيرًا في الكتب القديمة، والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا فيها، فتتباين الآراء. وهذا التباين يدعو إلى التأني وعدم الجزم.
يتبدل المعنى بتبدل السياق. فإذا كان الماء صافيًا والتمر يخرج نظيفًا فالصورة تميل إلى تنقية موفقة وتدبير حسن، وإذا كان الماء عكرًا فقد تميل إلى أمر يحتاج إلى صبر حتى يصفو. وإن كان الغسل بهدوء وعناية فالدلالة أصفى، وإن كان بعجلة فقد تدل على استعجال في إصلاح أمر. وإن غسل الرائي تمرًا لغيره فقد يدل على خدمة وعناية بمن حوله، وللإضاءة وشعور الرائي بعد الاستيقاظ أثر في الترجيح.
إذا رأت العزباء أنها تغسل التمر فقد يُفسَّر ذلك بعنايتها بتفاصيل حياتها، أو بإصلاح أمر صغير علق بها، أو بتأنٍّ في اختيارها. وإن كانت تغسله بهدوء فقد يدل على ترتيب داخلي وراحة، وإن كانت مشغولة البال فقد يعبّر عن قلق من أمر تريد تنقيته. وليس في الحلم تحديد لشخص ولا لموعد. فالأولى أن تأخذه بتفاؤل معتدل، وأن تبني قراراتها على الواقع ومشورة أهل الثقة.
وللمتزوجة قد يرمز غسل التمر إلى عنايتها بالبيت ونظافته وحسن تدبير شؤونه، أو إلى إصلاح أمر في العلاقات الأسرية، أو إلى تحضير لمناسبة. وقد يعبّر عن حرصها على أن يكون ما تقدمه لأهلها طيبًا نظيفًا. وإن كانت حاملًا فالحلم انعكاس لمشاعر الترقب، وليس نصيحة طبية ولا مرجعًا في أي شأن يخص الحمل، والمتابعة مع الطبيبة هي الأصل. وكذلك لمن يعاني مرضًا، فلا يغني الحلم عن الفحص والإرشاد الطبي.
وللرجل قد يدل غسل التمر على تدقيق في حسابات عمله أو مصادر رزقه، أو على إصلاح أمر مهمل، أو على حرص على صفاء معاملاته. وقد يعبّر عن رغبته في تنقية علاقاته أو أعماله مما يكدّرها. وإن كان طالبًا فقد يشير إلى مراجعة وتنقية لما حصّله. وإن كان في ضيق فقد يعكس الحلم رغبته في بداية صافية، مع الأخذ بالأسباب والتخطيط الواقعي لأموره.
من التفاصيل الدقيقة نوع الماء وطريقة الغسل، فالماء الجاري الصافي يدل على تجدد وصفاء، والراكد قد يدل على أمر يحتاج إلى تحريك. وكذلك حال التمر بعد الغسل، فإن بقي حلوًا سليمًا فالدلالة إلى حسن الأثر، وإن ذاب منه شيء أو تغير فقد يدل على أمر يحتاج إلى رفق في التعامل. ووجود أدوات كالمصفاة أو الإناء يدل على ترتيب. وتبقى هذه التفاصيل قرائن مساعدة لا أدلة قاطعة، فالمعوَّل على مجموع الصورة وشعور الرائي.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يعكس الحلم رغبة الرائي في ترتيب أمور حياته أو تنقيتها، أو شعوره بأن عليه العناية بتفصيل مهمل. ويمكنه أن يراجع أمرًا واحدًا يحتاج إلى تنظيم وأن يبدأ به بخطوة بسيطة. وقد يكون للمشهد صلة بتنظيف أو تحضير طعام رآه قبل النوم، فلا يُحمَّل أكثر مما يحتمل. وكل هذه الاحتمالات تتبدل بتبدل حال الرائي وظروفه، فما يصدق على شخص قد لا يصدق على غيره.
وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، فلا يُبنى عليه قرار حاسم ولا توقع جازم. والأجمل أن يحسن الرائي ظنه بالله، وأن يدعو بأن يبارك الله له في رزقه وأن ييسر له الصفاء في أموره كلها. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا إشارة تُقرأ بتواضع. فليمضِ الرائي مطمئنًا، آخذًا بالأسباب، حسن الظن بربه.
