رؤية الابنة وهي تسرّح شعرها من المشاهد اليومية البسيطة التي ترتبط بالعناية والترتيب. وهي رؤيا رمزية في أصلها، لا تدل حرفيًا على أمر بعينه ولا تُعد إخبارًا بما سيكون. فالأحلام تستمد صورها من مشاعر الرائي وآماله ومن مشاهد النهار المتكررة، وتسريح الشعر من أكثر المشاهد ألفة في الصباحات الأسرية. وما يُذكر هنا احتمالات عامة تُقرأ بهدوء، ويتفاوت انطباقها بتفاوت ظروف كل رائٍ.
الابنة في عالم الرموز صورة للحنان والرعاية والأمل والمستقبل، وهي ترتبط بما يعقده الوالدان من تمنيات على سعادتها. وتسريح الشعر في الدلالة العامة يرتبط بالترتيب والتهذيب وتنظيم ما تشابك من أمور. فإذا اجتمعا، جاز أن يكون المعنى متصلًا برغبة الرائي في أن تكون أحوال ابنته مرتبة هادئة، أو بما يقوم به من عناية يومية بها. وقد تكون الرؤيا انعكاسًا لانشغال بتفاصيل صغيرة تتعلق بمظهرها وراحتها، دون أن يكون وراءه حدث معين.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الشعر أنه قد يدل على المال والجاه والهيبة عند بعض الرائين، وأن تشابكه وتعقده قد يشير إلى هموم وانشغالات، وأن ترتيبه وتسريحه قد يدل على زوال الهم وانتظام الأحوال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى قريب من هذه المعاني مع مراعاة حال الرائي. غير أن المفسرين اختلفوا في تفاصيل هذه الرموز، وكثير منها قابل لأكثر من وجه. وصورة الابنة المسرّحة لشعرها بخصوصها أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيغلب فيها الاجتهاد.
يتبدل المعنى بحسب السياق. فإن كانت تسرّح شعرها بهدوء أمام المرآة وتبتسم، مال التفسير إلى الارتياح والاطمئنان وحسن الحال. وإن كان الشعر متشابكًا يصعب تسريحه وكانت تتضايق، فقد يعكس ذلك شعور الرائي بأن بعض الأمور المتشابكة في حياة الأسرة تحتاج إلى صبر ورفق، وهذا شعور يُعالج بالتأني. وإن سرّحت للرائي أو سرّح هو لها، فقد يدل ذلك على قرب وعناية متبادلة. وإن كانت يُعتنى بها من غيرها، فقد يرتبط المشهد بشعور الرائي بأن من حولها يحيطونها برعايتهم.
إن كان الرائي أبًا، فقد تعبّر الرؤيا عن حنانه ورغبته في أن يرى ابنته مرتاحة منظمة، وعن اعتزازه بها. وإن كانت الرائية أمًا، فقد ترتبط بما تقوم به كل صباح من عناية بتفاصيل ابنتها، وربما بذكريات من طفولتها وطفولة الأم نفسها. وقد يظهر الحلم في أيام الاستعداد لمناسبة أو لبدء المدرسة. وفي الحالتين يُقرأ المعنى بوصفه صدى لاهتمام طبيعي يغلب عليه الود، لا إنذارًا بشيء.
وأما من ليس له أبناء، أو الشابة غير المتزوجة، فقد يتصل المعنى بحاجة النفس إلى الترتيب والتهذيب في أفكارها وأولوياتها. وقد تمثل الابنة هنا جانبًا من الذات يحتاج إلى عناية ولطف، أو أمرًا متشابكًا تريد أن تفكه بالصبر. وربما عبّرت الصورة عن اشتياق إلى دور الرعاية وإلى دفء البيت. وهذه كلها احتمالات مفتوحة، ولا يصح الجزم بأحدها دون النظر إلى ظروف الرائي ومرحلته العمرية.
للتفاصيل الدقيقة أثر في الفهم. فطول الشعر ولونه ونظافته مهم، وكذلك أداة التسريح، أهي مشط مألوف أم شيء غير معتاد. ويُنظر إلى هيئة الابنة، أمرتاحة هي أم متوترة، وإلى من يسرّح لمن، وإلى المكان أهو غرفتها أم مكان عام. وكلما كانت الصورة مريحة منظمة مالت الدلالة إلى الطمأنينة، وكلما شابها اضطراب دلّت على انشغال داخلي أكثر منه واقع خارجي. وأصدق دليل شعور الرائي بعد الاستيقاظ.
ومن الوارد أن تكون الرؤيا صدى لموقف حقيقي من صباح مزدحم أو استعداد لمناسبة، أو لما شاهده الرائي من عناية ابنته بنفسها. وفي هذه الحال لا حاجة إلى تأويل بعيد، فالنفس تعيد ما علق بها في صور جديدة. وإن لم يكن في الواقع ما يفسرها، فيمكن عدّها رسالة عامة عن الترتيب والهدوء. ولا يصح أن يتخذ منها الرائي سببًا للتوقع أو الخوف من أمر معين.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا دعوة إلى مشاركة الابنة بعض تفاصيل يومها ببساطة وودّ، كالجلوس معها صباحًا أو مساءً دون عجلة. فالأوقات الصغيرة المشتركة تبني الثقة أكثر مما تبنيها التوجيهات الكثيرة. ويحسن أن تُترك لها حرية اختيار ما يناسبها من مظهرها ضمن حدود الأسرة المعتادة. والحلم ليس نصيحة طبية أو تربوية متخصصة، والقلق الشديد المستمر على الأبناء يستحق الكلام مع مختص أو أحد الأهل.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، فلا يُبنى عليه قرار ولا يُتخذ منه موقف حاسم. وكثير من الأحلام انعكاس للنفس وما يشغلها في يقظتها. فليُحسن الرائي الظن بالله، وليدعُ لابنته بالسعادة وراحة البال وحسن الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه ظنون واجتهادات.
