رؤية الابنة وهي تصادق صديقات جديدات من المشاهد الاجتماعية الودودة التي تحمل في ظاهرها معنى الانفتاح والتجدد. وهي رؤيا رمزية في أصلها، لا تدل حرفيًا على أمر بعينه ولا تُعد إخبارًا بما سيكون. فالأحلام تستمد صورها من مشاعر الرائي وآماله ومن مشاهد يومه، والصداقات من أهم ما يشغل بال الآباء حين يفكرون في أبنائهم. وما يُذكر هنا احتمالات عامة تُقرأ بهدوء، ويتفاوت انطباقها بتفاوت ظروف كل رائٍ.
الابنة في عالم الرموز صورة للحنان والرعاية والأمل والمستقبل، وهي ترتبط بما يعقده الوالدان من تمنيات على سعادتها. والصداقة الجديدة في الدلالة العامة ترتبط ببداية علاقة وبمرحلة جديدة وبتوسع دائرة المعارف. فإذا اجتمعا، جاز أن يكون المعنى متصلًا بتفكير الرائي في المحيط الاجتماعي لابنته وما تحتاجه من رفقة طيبة. وقد تكون الرؤيا انعكاسًا لقلق طبيعي على من تخالط، أو لرغبة في أن تجد الابنة من يؤنسها ويفهمها.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الأصحاب والإخوان أن صحبة الأخيار قد تدل على نفع وأنس، وأن حال الصاحب في المنام قد يشير إلى حال الرائي نفسه وما يؤول إليه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المجالسة والصحبة ترتبط بما يُكتسب من أخلاق وأخبار، وأن للمشهد وجوهًا متعددة بحسب ملامح الأصحاب. غير أن المفسرين اختلفوا في تفاصيل ذلك. وصورة الابنة المصادقة لصديقات جديدات بخصوصها أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيغلب فيها الاجتهاد على النص.
يتبدل المعنى بحسب السياق. فإن كانت الصديقات مبتسمات وكان اللقاء ودودًا هادئًا، مال التفسير إلى الارتياح والتفاؤل بخير يجمع الابنة بمن يناسبها. وإن كانت الوجوه غريبة مبهمة أو شعرت الابنة بالارتباك، فقد يعكس ذلك شعور الرائي بالتوجس من التغيير، وهذا لا يدل على أمر في الواقع. وإن كانت الابنة سعيدة وتحكي للرائي عنهن، فقد يرمز ذلك إلى ثقة وقرب. وإن كانت تبتعد عن صديقات قديمات، فقد يرتبط المشهد بانتقال من مرحلة إلى أخرى.
إن كان الرائي أبًا، فقد تعبّر الرؤيا عن رغبته في أن يرى ابنته محاطة بأصدقاء طيبين، وعن اهتمامه بما تعيشه في مدرستها أو محيطها. وإن كانت الرائية أمًا، فقد ترتبط بحرصها على معرفة من تخالطهن ابنتها وتعلقها بأن تكون سعيدة في علاقاتها. وقد يظهر الحلم عند انتقال الابنة إلى مدرسة أو حي جديد أو بداية عام دراسي. وفي الحالتين يُقرأ المعنى بوصفه صدى للاهتمام الطبيعي، ولا يصح أن يتحول إلى شك أو مراقبة مفرطة.
وأما من ليس له أبناء، أو الشابة غير المتزوجة، فقد يتصل المعنى برغبة النفس في التعرف على أشخاص جدد أو في تجديد دائرة العلاقات. وقد تمثل الابنة هنا جانبًا منفتحًا في الذات يتطلع إلى الألفة. وربما عبّرت الصورة عن مشروع جديد يجمع الرائي بزملاء أو بشركاء طيبين. وهذه كلها احتمالات مفتوحة، والرائي أقدر على الترجيح بينها لمعرفته بظروفه ومرحلته.
للتفاصيل الدقيقة أثر في الفهم. فعدد الصديقات وأعمارهن وهيئتهن مهم، وهل هن معروفات للرائي أم وجوه لا يعرفها. وكذلك مكان اللقاء، أهو مدرسة أم حديقة أم بيت، وطبيعة اللعب أو الكلام بينهن. ويُنظر إلى حال الابنة، أمرتاحة هي أم خجولة، وإلى مشاعر الرائي أثناء المشهد. وأصدق دليل على المعنى هو الشعور الذي يخلّفه الحلم بعد الاستيقاظ.
ومن الوارد أن تكون الرؤيا صدى لمناسبة قريبة أو كلام عن زميلات ابنته أو دعوة إلى لعب وزيارة. وفي هذه الحال لا حاجة إلى تأويل بعيد، فالنفس تعيد ما شغلها في صور جديدة. وإن جاءت بلا سبب ظاهر، فيمكن عدّها رسالة عامة عن قيمة الرفقة الطيبة والانفتاح. ولا يصح أن يرتب عليها الرائي توقعًا محددًا أو يصدر رأيًا في أحد من الناس بناء عليها.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا دعوة إلى الإصغاء لما تحكيه الابنة عن صديقاتها وإلى فتح باب الكلام الهادئ معها. فالاهتمام بعالمها الاجتماعي دون استجواب يبني الثقة، وتشجيعها على علاقات إيجابية أنفع من المنع. ويحسن أن تعرف أن الأهل سند لها إن واجهت خلافًا أو ضيقًا. والحلم ليس نصيحة طبية أو تربوية متخصصة، والقلق الشديد المستمر على الأبناء يستحق الكلام مع مختص أو أحد الأهل.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، فلا يُبنى عليه قرار ولا يُتخذ منه موقف حاسم. وكثير من الأحلام انعكاس للنفس وما يشغلها في يقظتها. فليُحسن الرائي الظن بالله، وليدعُ لابنته بالرفقة الطيبة والسعادة وراحة البال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه ظنون واجتهادات.
