رؤية بنات كثيرات في المنام من المشاهد المزدحمة بالحيوية التي قد تترك في النفس بهجة أو شيئًا من الارتباك. وهي رؤيا رمزية في أصلها، لا تدل حرفيًا على عدد بعينه من الأبناء ولا تُعد إخبارًا بما سيكون. فالأحلام تستمد صورها من مشاعر الرائي وآماله ومن مشاهد يومه، وتضاعف الأشخاص أحيانًا لتعبّر عن إحساس بالكثرة. وما يُذكر هنا احتمالات عامة تُقرأ بهدوء، ويتفاوت انطباقها بتفاوت ظروف كل رائٍ.
الابنة في عالم الرموز صورة للحنان والرعاية والأمل والمستقبل، وهي ترتبط بما يعقده الإنسان من تمنيات على سعادة من يحب. وحين تظهر بنات كثيرات، يتجه المعنى إلى الكثرة والحيوية وتعدد المسؤوليات والآمال. وقد تعبّر الرؤيا عن شعور الرائي بأن حياته مليئة بالأمور التي تحتاج إلى رعاية، أو عن رغبته في أن يحيط به الأنس والحياة. وقد تكون الصورة انعكاسًا لانشغال طبيعي بتعدد المهام والعلاقات، دون أن تدل على حال فعلية.
نُسب إلى ابن سيرين في باب الجموع والكثرة أن رؤية الجماعة قد تدل على كثرة الأمر الذي ترمز إليه، وأن حالها الحسنة تشير إلى خير وأنس وحالها المضطربة إلى انشغال وازدحام. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اجتماع الصغار والفتيات قد يعبّر عن أنس وحيوية في المحيط أو عن مسؤوليات متعددة. غير أن المفسرين اختلفوا في تفاصيل ذلك. وصورة البنات الكثيرات بخصوصها أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيغلب فيها الاجتهاد على النص ويلزم الحذر.
يتبدل المعنى بحسب السياق. فإن كنّ مبتسمات يلعبن في جو مرتب هادئ، مال التفسير إلى الأنس والحيوية وارتياح الرائي. وإن كان المكان مزدحمًا والأصوات عالية، فقد يعكس ذلك شعوره بضغط المسؤوليات وكثرة الطلبات عليه، وهو شعور يُعالج بتنظيم الوقت وطلب العون. وإن كان يعرف بعضهن ولا يعرف الأخريات، فقد يرتبط المشهد باتساع دائرة اهتمامه. وإن كن يلتففن حوله، فقد يدل على رغبة في القرب.
إن كان الرائي أبًا أو أمًا، فقد تعبّر الرؤيا عن شعوره بثقل المسؤولية أو بجمالها، وعن رغبته في أن يمنح كل ابنة ما تحتاجه دون تقصير. وقد يظهر الحلم حين تجتمع الأسرة الكبيرة في مناسبة أو حين تكثر الأعباء في البيت. وفي هذه الحال يُقرأ المشهد بوصفه صدى للحياة الأسرية الطبيعية. ولا يصح أن يُفهم منه توقع بعدد الأبناء أو غير ذلك، فهو تعبير رمزي عن مشاعر لا عن وقائع.
وأما من ليس له أبناء، أو الشابة غير المتزوجة، فقد يتصل المعنى برغبة النفس في الأنس والحيوية وفي أن يحيط بها أحباب كثيرون. وقد تمثل البنات فرصًا وأفكارًا متعددة تحتاج إلى ترتيب وأولويات. وربما عبّرت الصورة عن اشتياق إلى بيت كبير مليء بالحياة. وهذه كلها احتمالات مفتوحة، والرائي أقدر على الترجيح بينها لمعرفته بظروفه ومرحلته العمرية، ولا يصح الجزم بأحدها.
للتفاصيل الدقيقة أثر في الفهم. فأعمار البنات وهيئتهن مهمة، وهل هن في ثياب متشابهة أم مختلفة، وهل هن معروفات للرائي أم وجوه كثيرة لا يميزها؟ وكذلك ما يفعلنه، أيلعبن أم ينشدن أم ينتظرن، وهل يتحدثن إليه أم يتحدثن فيما بينهن. ويُنظر إلى مشاعر الرائي، أفرح أم ازدحام أم حيرة. وأصدق دليل على المعنى هو الشعور الذي يخلّفه الحلم بعد الاستيقاظ، فالارتياح يميل إلى معان طيبة والقلق يميل إلى انشغال عابر.
ومن الوارد أن تكون الرؤيا صدى لموقف حقيقي، كأن رأى الرائي مجموعة من الفتيات في مدرسة أو حفل أو مكان عام، أو انشغل بترتيب مناسبة تجمع الأسرة. وفي هذه الحال لا حاجة إلى تأويل بعيد، فالنفس تعيد ما مرّ بها في صور جديدة. وإن جاءت بلا سبب ظاهر، فيمكن عدّها رسالة عامة عن الحيوية والأنس في الحياة. ولا يصح أن يرتب عليها الرائي توقعًا محددًا.
ومن الناحية العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا دعوة إلى تنظيم المسؤوليات وتقاسمها وطلب العون عند الحاجة، وإلى الاستمتاع بالأنس الذي يجمع الأهل والأصدقاء. فالاهتمام بكل فرد على حدة وإن كثر العدد يبني الثقة والدفء. ويحسن أن يجد الرائي لنفسه وقتًا للراحة كي يستطيع العطاء. والحلم ليس نصيحة طبية أو تربوية متخصصة، والقلق الشديد المستمر على الأبناء يستحق الكلام مع مختص أو أحد الأهل الموثوقين.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، فلا يُبنى عليه قرار ولا يُتخذ منه موقف حاسم. وكثير من الأحلام انعكاس للنفس وما يشغلها في يقظتها. فليُحسن الرائي الظن بالله، وليدعُ لمن يحب بالخير والسعادة وراحة البال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه ظنون واجتهادات.
